بحوث ودراسات مقالات

آل سعود :تاريخ بني حنيفة وعنزة 

شكل النقاش عن جذور العائلة الحاكمة الأشهر في العالم العربي مثار جدل تراوح مابين مماحكات الأعداء وترهات ذوي التوجهات الأسطورية التي تصل لمستوى الكوميديا احياناً.

العائلة الحاكمة التي تنتسب الى احد اكبر قبائل المنطقة كما هو معروف ،شأنها في ذلك شان بقية الاسر الحاكمة التي مرت على جزيرة العرب وعادة لايكون اصل هذه الاسر مجهولاً او مبهماً .

ان الملاحظ ان الجذور القبلية للعائلة الحاكمة مسألة تاريخية تلقي الضوء على المسار التاريخي لجزيرة العرب خلال القرون الماضية ،هكذا فهمها الباحثون الجادون لاسيما الأجانب ،فابتعدوا عن مهاترات الكارهين لهذه العائلة المالكة الكريمة ،وكنا ولازلنا ندرس تاريخ هذه الدولة العظيمة على هذا المنطلق ،فالمسألة ليست اثبات او نفي بطريقة طفولية ساذجة .

لقد فسر بعض المعاصرين ديموغرافية قبائل عنزة الوائلية المعاصرة على انه اجتماع بطون ربعية قديمة على اسم عنزة التاريخي سلف بكر وتغلب وبني عنز بن وائل الاقدم ،ومن هنا نشات فكرة مسميات البطون الوائلية المعاصرة على البطون المصاقبة لها بالاسم قديما ،قيل :ان العمارات قوم آل هذال الامراء من تغلب وقيل آل شعلان من الجلاس من بكر بن وائل ليتصل الامر في بني وهب والمنابهة والمصاليخ  وآل سعود ونسبهم الى حنيفة بن لجيم ووصولا الى بكر بن وائل [1] .

هكذا تم هضم الدعاية العثمانية القديمة التي لم تستوعب قبيلة بني حنيفة الا كشر مطلق ولم تعلم ان حنيفة هي احدى البطون التي من اسلاف القبيلة العنزية الوائلية المعاصرة .

في بعض النقاشات الطفولية تظهر أصوات عبر الاعلام تركز على نفي العنزية الوائلية عن العائلة المالكة بطرق اقرب الى الجدلية البيزنطية والتعصبات الإقليمية او تكريس ادعاءآت بصلة قربى للعائلة المالكة ، تلك الصلة تزاوج بين الانتساب للمكان الذي اتخذه الامام المؤسس محمد بن سعود -الدرعية- او الانتساب للجذم الحنفي او العنزي مع خيارات التضاد او التجاذب بين النسبتين ، لكن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان حفظه الله -الرجل الذي يصنع  التاريخ قبل ان يكتبه- أوضح ان النسب العنزي للعائلة المالكة هو النسب المعاصر بعد احتواء وامتصاص الديمغرافيا الربعية نحو اسم قبيلة عنزة الوائلية المعاصرة

من اختاروا التضاد كرسوا هوية حنيفة المصطنعة لاعادة قراء خط تاريخي طويل ينتهي لبعض الاسر التي قدمت من الزبير (البصرة القديمة) وتقديم المردة قوم ال سعود كجزء من شبكة مستوطنات كلها كانت مشروع دول لولا اختيار الامام محمد بن سعود تبني دعوة الشيخ محمد عبدالوهاب، وهذا ماتنفيه حقائق التاريخ حيث ان الشيخ محمد بن عبدالوهاب وحركته الإصلاحية كانت بحماية امام حاكم ومعروف في المنطقة قبل قدوم الشيخ الى مضارب الامام محمد بن سعود .

في هذا المبحث سوف نسلط بعض الضوء على تاريخ بني حنيفة وعنزة المشترك منذ اقدم العصر كونهم بطنين من قبيلة واحدة ،مستلهمين رؤية صانع التاريخ نفسه وليس من يستهلكه او يعيد انتاجه عبر التقليد الزائف والوريقات البالية .

لقد رأينا تسليط بعض الضوء على احوال ربيعة في الجاهلية وبشكل خاص الجذمين الكبار بكر وتغلب في كتاب (الجذور التاريخية لقبيلة عنزة الوائلية)، ولو لاحظنا ان ربيعة كانت تلك الفترة تحتك وتصطدم بقبيلة بني تميم ، وخاصة بكر وعنزة ، ذلك ان تغلب كانوا تلك الفترة بعيدين عن ديار تميم ومناطق انتشارهم في نجد .

وقد صح معنا اننا تناولنا التاريخ الربعي على اساس ان بكر بن وائل هم الجذمين : اللهازم والذهلان ، ومن اللهازم قبيلة عنزة التي التحقت في بكر في حين انفصلت حنيفة عنها وكونت كيانا قبليا مستقلا ، وبالتالي يتضح الجذور التاريخية  للعزوة الوائلية التي لاتزال معروفة بها قبيلة عنزة الى يومنا هذا ، رغم ان عنزة بن أسد هو عم وائل وليس ابنه بحسب ابن الكلبي النسابة ، وسنرى ان هذا الوضع لجذمي ربيعة الكبار بكر وتغلب قد استمر حتى بعد ظهور الاسلام وتوافد القبائل العربية معلنة اسلامها .

ونحن في مبحثنا هذا ليس هدفنا تكرار معلومات معروفة مدونة بالكتب القديمة والمعاصرة ، بل هو الرؤية لحاجة المكتبة العربية لكتاب يتناول تاريخ ربيعة بن نزار كقبيلة موحدة ، والربط بين بطونها المختلفة عبر مراحل تاريخها الطويل ، وحاجة القاريء العربي لمعرفة مصير هذه القبيلة العربية  وصولا الى وضعها الراهن المختزل في قبيلة عنزة الوائلية الحالية اكبر قبائل العرب اليوم وورثة التاريخ الربعي ، كذلك وضع الاسس الصحيحة التي سار عليها التاريخ الربعي ، فدراسة تاريخ قبيلة مثل النمر بن قاسط يجب ان يكون على اساس انها من تغلب حتى لوكان النمر لاينتسب الى تغلب مباشرة عند ابن الكلبي ومن نقل منه ، وليس على اساس انه بطن وقبيلة مستقلة ، كذلك عنزة التي راينا اشتراكها مع بكر في كل الايام في الجاهلية بما فيها ايام حرب البسوس .

فكثير من المؤلفين المعاصرين  يعتقدون ان قبائل ربيعة متشتتة عن بعضها ، وقد اعتقدوا ان ماحصل لمضر يجب أن يحصل لربيعة من باب التناظر ، وهم بذلك قد اتخذوا حكما منطقيا مسبقا قائم على المناظرة الخاطئة بين جذمين ، فمثلاً لو قارنا ذلك بالتناظر بين جذمي عدنان وقحطان سنجد ان عدنان لم يعد احد ينتسب اليه، لم ينتسب اليه احد قديماً ، ولم يعد مذكوراً ومحفوظاً في عصرنا ، واختفى اسمه لصالح من انتسب الي فروعه ، في حين نجد الجد ( قحطان) لازال مستخدما وتحول في يومنا هذا متمثلا بتلك القبيلة المعروفة بنفس الاسم اليوم  ، فليس من الضروري اذن ان تنتهي العصبة القحطانية لصالح فروعها ان كان هذا قد حصل لبني عدنان ،ولاتوجد قواعد منطقية مسبقة او تناظرات توجب التقعيد لكيفية ظهور الأسماء واختفاءها بل علينا التعامل مع الحركة الطبيعية للتاريخ.

ان المستقريء لتاريخ ربيعة ومن المصادر القديمة  يرى أنه امام قبيلة محددة وواضحة ومتصلة  ، وقد رأينا في تاريخ الطبري مثلا كيف تداخلت البطون الربعية في مابينها وارتبطت ببعضها تاريخياً وجغرافياً، وفي الوقت الذي ماتت في العصبية لأسم مضر لصالح الفروع المضرية التي تحولت لقبائل لاصلة لها ببعض ، بقيت عصبة ربيعة متماسكة ، وبقي اسمها متداولاً ، وعندما تفرق الربعيون لم تنشأ بينهم قبائل كثيرة متفرقة بل كان الانقسام الربعي على الجذمين بكر وتغلب ابني وائل ربيعة .

هجرة حنيفة وعنزة الى اليمامة

ان القصة التي فيها نوع من الاساطير الشعرية تتضمن قدوم كلا من عنزة وحنيفة وبطون أخرى من بكر بن وائل لليمامة ،وتنسب لهم اكشاف النخلة والتمر لأول مرة في جزيرة العرب ، وبهذا نلحظ ان المؤرخين نسبوا لقبائل ربيعة الريادة في امرين :ترويض الخيل ،واكتشاف النخلة،ولاشك ان هذا الامر وان كان مبالغة الا انهم يفسر أهمية الخيل والتمور في حياة القبائل الوائلية اذا يبدون اهتمام يفوق اهتمام القبائل الأخرى ،ولذلك اشتهرت ربيعة بافضل سلالات الخيل قديما وحديثاً،وكذلك نلحظ حرص قبائل ربيعة على انشاء مستوطنات النخيل الكبرى سواء بعين التمر في القرون الأربع بعد الإسلام او خيبر التي تم الاستيلاء عليها مطلع القرن السابع الهجري وارتبطت بشكل وثيق بقبائل عنزة الوائلية.

على ضوء ماسبق ليس غريباً ان تُنسج رواية قدوم ربيعة من تهامة مع التركيز على بطنين من بكر بن وائل (بني حنيفة وعنزة) وقدومهم المشترك لليمامة ،ليكتشف عبيد بن يربوع النخلة لأول مرة ويختلف مع ابن عمه العنزي في محصول هذه الشجرة الجديدة التي تعود الى أيام طسم وجديس ،الا ان عبيد اشرك أخيرا بنو عمومته لتصبح اليمامة موطنا لقبائل بكر بن وائل وتتوزعها عنزة وقيس بن ثعلبة والنمر بن قاسط ،فنلاحظ ان الأسطورة تريد ان تشرح سبب تقديس هولاء للنخيل وسبب تمسكهم بإقليم حجر اليمامة .

ينقل ياقوت الحموي (ت628ه) في معجم البلدان[2] حادثة أخرى لعبيد بن يربوع وأولاده الستة ، تفيد ان منهم :زيد، وهب ،وارقم ،ومسلمة ،سلمة، سيار، وكان ارقم عند امه العنزية عندما اقتسم الأولاد الستة النخيل ليغضب ارقم ويقوم بغزو مخيمات قبيلته في البادية او قرية البادية على ماورد في النص ، ومن الواضح ان غضب ارقم المذكور شمل قيس بن ثعلبة ونخيلهم في منفوحة ،مع ملاحظة ان أسماء مثل (وهب) و (مسلمة ) وحتى (عبيد) لاتزال اليوم تشير الى بطون وائلية معاصرة ،وهب التي ينحدر منها  آل سعود الكرام مؤسسي اقدم دولة عربية معاصرة.

ان هذه النصوص التي تم قراءتها بسطحية من قبل معاصرين على انها استيطان حضاري مع تركيز على شخصية عبيد بن يربوع واهمال بطون بكر الأخرى التي تقاسمت حقول النخيل كانت دافعا لنفي  السيناريو الحقيقي للاحداث كما وردت بالمراجع وبطريقة الديماغوجية التي تريد رسم صورة معاصرة وربطها مباشرة بصراعات جاهلية محلية للغاية  ،مع توصيل القطار التاريخي لهذه الاحداث باسر لاصلة لها بالاحداث .

هذه الاحداث والاساطير هي  خلفية لقبيلة عنزة الوائلية المعاصرة فقط ويجب تناولها على هذا الأساس فقط ، ولاعلاقة لهذه الاسر المعاصرة خارج قبيلة عنزة بهذه الاحداث ،وهذا امر منطقي ،فياقوت بتحدث عن حنيفة وعنزة ووهب وسيار ومسلمة فمن المنطقي ان الوريث لكل هذا هو الديموغرافيا الوائلية القائمة ليس غيرها،وهي التي لاتزال ترث هذه الأسماء يقيناً وترث أيضا مايفسر هذه الاساطير .

 

ربيعة في صدر الاسلام

بدأ تاريخ الاسلام الحقيقي بهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم  الى المدينة المنورة سنة 622م ، ومعه مجموعة مسلمة عرفو تاريخياً بأسم ( المهاجرين ) بينما عرف الأوس والخزرج وهم مناصري الرسول من اهل المدينة  وعرفو باسم ( الأنصار) ..وعرف الجميع باسم صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم

كانت هجرة  الرسول الى المدينة المنورة حدثاً غير عادي في تاريخ جزيرة العرب والعرب ككل ، بل على مستوى العالم كله ، ففيه تأكد أن دولة ما ستنشأ في جزيرة العرب ، ولم تعد مجرد نبوة عابد ، خاصة عندما بدأ الرسول بتكوين مجتمع متماسك من المسلمين داخل المدينة المنورة ومن ثم الانطلاق نحو القرشيين بمكة وتهديد تجارتهم وعلاقتهم مع القوى الاخرى في جزيرة العرب ، ومنها علاقة مكة وقريش بقبائل ربيعة التي كانت تعتبر من اقوى قبائل العرب ..

* تأثيرات بني حنيفة على الدعوة المحمدية

كانت قبيلة بني حنيفة اول قبيلة ربعية تحتك بالمسلمين نظرا لقربها الجغرافي من الحجاز مقارنة بغيرهم من بطون ربيعة الآخرين، ومن ذلك تدخل زعيم بني  حنيفة في وقته وهو ثمامة بن اثال الحنفي  ، وكان ذلك اول تاثير لقبائل ربيعة على الامور الجارية بين مكة والمدينة ، اذ مالت القبائل العربية الى جانب القرشيين – وهو امر طبيعي – وكان ثمامة يغير بقبائله على  الرسول صلى الله عليه وسلم ، ووصل به الامر الى محاولة اغتيال الرسول الكريم بنحريض من قريش ، فأهدر الرسول دمه  لأصحابه تبعا لذلك ..

الا أن سرايا  لرسول الله صلى الله عليه وسلم تمكنت من أسر ثمامة بن أثال وهم لايعرفونه ، فلم يقتلوه وكانوا سيفعلون لو علموا به ، بل اتو به الى رسول الله وأمر بربطه الى سارية المسجد وهو يعرف انه ثمامة  الحنفي ، وقد سأل الرسول ثم عن مايتوقع ان يفعله به فقال ثمامة [3] :

 ” إن تعاقب تعاقب ذا ذنب ، وإن تعف تعف عن شاكر ”    فعفا عنه الرسول واصبح ثمامة بذلك من خيرة ومشاهير الصحابة رضوان الله عليهم ، وكان لاسلامه تأثير على الاحداث التي تلت وفاة الرسول وارتداد قبائل ربيعة كما سنرى ..

عندما انتصر رسول الله في حروبه مع أهل مكة وانقادت قريش للرسول وصحبه اهل المدينة ، بدأت قبائل العرب الاخرى تهاب اسم الرسول صلى الله عليه وسلم ، والمتتبع لتوافد القبائل على الرسول في المدينة كما وثقها المؤرخين للسيرة النبوية ،  يلحظ ان ان القبائل هابت اسم الرسول وصيته الذي ذاع في جزيرة العرب اكثر من رغبة تلك القبائل في دخول الاسلام والاقتناع فيه كدين سماوي ، ويظهر ذلك بوضوح في القبائل التي كانت مواطنها بعيدة عن المدينة المنورة – مركز الرسالة – بعكس القبائل التي كانت قريبة من المدينة مثل بلي وجهينة وغفار ومزينة ..

وقبائل ربيعة بن نزار كانت من القبائل البعيدة عن المدينة المنورة ، فهي كما قلنا أربع قبائل رئيسية وهي حنيفة وبكر وتغلب وعبد القيس ، ولكل من هذه القبائل وفد وصل الى الرسول واعلن اسلامه بشكل مستقل ، وسيتضح أن اسلام هذه القبائل غير عميق ، باستثناء قبيلة عبد القيس بن افصى ، وسيكون عدم العمق في الدين تاثيره الواضح على قبائل ربيعة بعد وفاة الرسول وقيام الخلافة الاسلامية على يد ابي بكر الصديق رضي الله عنه ..

بدأت الوفود العربية الى رسول الله معلنة اسلامها في تاسع سنة بعد هجرته عليه السلام وهي السنة التي سميت بسنة الوفود ، وذلك بعد غزوة تبوك في السنة الثامنة للهجرة ، وبعد ان تاكد لقبائل العرب أن رسول الله ومن معه من المسلمين هم القوة السياسية الوحيدة في جزيرة العرب ، ويهمنا هنا وفود قبائل ربيعة بن نزار ومنها وفد بني حنيفة ..

 

وفد بني حنيفة

كانت بني حنيفة تشكل ثقلاً في اليمامة مستقلاً عن قبيلة بكر بن وائل وسائر ربيعة ، ورغم أن بني حنيفة من اوائل القبائل الربعية التي احتكت بالاسلام عن طريق الصحابي ثمامة بن أثال الذي سبق واشرنا عنه ، الا أن الوفد الذي مثل حنيفة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن بالمستوى الذي ظهر به وفد عبد القيس الأكثر ولاء للاسلام. اذ ظهرت بوادر العصيان الحنفي كما سجلها مؤرخو السيرة النبوية واضحة من خلال اشتمال الوفد الحنفي على اسم مسيلمة بن حبيب والذي عرف فيما بعد بمسيلمة الكذاب ، وبعكس قبائل ربيعة الاخرى كانت بني حنيفة سباقة الى اظهار الردة قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولم تنتظر وفاة الرسول كما فعلت القبائل التي كانت تضمر الكفر وتتحين الفرصة لأعلان ذلك.

جاء الوفد الحنفي الى المدينة في السنة العاشرة للهجرة[4] ، ونزلو على امرأة من الانصار وفيهم مسيلمة بن حبيب الذي واجه الرسول صلى الله عليه وسلم .

يروي المؤرخ الطبري ( ت 311هـ ) عن ابن اسحاق[5] روايتين عن مواجهة مسيلمة الكذاب لرسول الله ..

الرواية الآولى …  تنص على ان بني حنيفة أتت بمسيلمة بن حبيب ، ورسول الله جالس في أصحابه ، ومعه عسيب من سعف النخل ، في رأسه خوصات ، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يسترونه بالثياب ، كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله : لو سألتني هذا العسيب الذي في يدي ما أعطيتك !

ويبدو من هذه الرواية أن الرسول الكريم كان على اطلاع بما سيقدم عليه مسيلمة فيما بعد من ادعاء النبوة والردة ..

اما الرواية الثانية ، فيشكك الطبري بصحتها رغم نقله لها ، وهي مسندة الى ابن اسحاق عن طريق شيخ من أهل اليمامة فيقول الطبري :

 ” كان حديث مسيلمة على غير هذا ؛ زعم أن وفد بني حنيفة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفوا مسيلمة في رحالهم ؛ فلما أسلموا ذكروا له مكانه ، فقالوا : يا رسول الله ؛ إنا قد خلفنا صاحباً لنا في رحالنا وركابنا يحفظهما لنا . قال : فأمر له رسول الله بمثل ما أمر به للقوم ؛ وقال : أما إنه ليس بشركم مكاناً ، يحفظ ضيعة أصحابه ؛ وذلك الذي يريد رسول الله . قال : ثم انصرفوا عن رسول الله ” أ.هـ [6]

قلت : الرواية الثانية تنص على أن مسيلمة لم يواجه الرسول صلى الله عليه وسلم ، بل بقي عند ركاب الوفد خارج المدينة ، وأن الرسول امر له بمثل ما أمر للوفد .. وان الرسول لم يرد مواجهة مسيلمة وجها لوجه ..

وسواء واجه مسيلمة الرسول ام لم يواجه ، فالمفهوم من الروايتين أن الرسول كان على علم بما سيقدم عليه مسيلمة مع قومه من بني حنيفة كما سنرى فيما بعد.

 

 

ردة بني حنيفة وماحدث فيها

واول القبائل الربعية التي اظهرت ردتها هي قبيلة بني حنيفة بقيادة مسيلمة الكذاب ، فالحنفيين لم ينتظروا اعلان وفاة الرسول بل اعلنوا ردتهم بمجرد تنامي الاخبار اليهم بمرض الرسول صلى عليه وسلم ..

وقد عبر مسيلمة الكذاب الذي لم يكتفي بالكفر بل أعلن نبوته برسالة بعث بها الى المدينة مع أثنين من اتباعه لتسليمها للرسول صلى الله عليه وسلم وذلك في سنة عشر للهجرة .

وجاء في رسالة مسيلمة الكذاب الى رسول الله :

”  من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله . سلام عليك ؛ فإني قد أشركت في الأمر معك ؛ وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض ، ولكن قريشاً قوم يعتدون ” أ.هـ[7]

وقد وجه الرسول الى الرسولين الذين كلفهما مسيلمة بتسليم هذا الخطاب الى الرسول ، وقد اجاب الرسولان انهما يقولان ماقال مسيلمة ولايخالفانه[8].

وواضح ان مسيلمة الكذاب يرى نبوة الرسول ماهي الا دعوى تفوق لقريش على قبائل العرب ، وليست بني حنيفة – في نظر مسيلمة طبعاً – بأقل من قريش التي انجبت نبياً فليكن اذن نبي في حنيفة  !!

موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من مسيلمة

لم تكن بني حنيفة بالقبيلة الهينة عندما اعلنت عصيانها ، فقد مر معنا ان الرسول كان يأمل في اسلام ثمامة بن أثال على الاقل ليكسب صوتاً من هذه القبيلة القوية ، فمابالنا نراها الآن قد اعلنت ردتها وتبعت زعيمها مسيلمة بن حبيب ودعواه بالنبوة ، وبالطبع كان موقف الصحابي ثمامة بن اثال ايجابيا مع الرسول ، فقد بقي لوحده ومع مجموعة بسيطة من مسلمي بني حنيفة ، اما الاغلبية فقد فضلو اتباع مسيلمة فيما ذهب فيه .

نعود الى موضوع رسالة مسيلمه ورسله الى رسول الله .. فبعد أن قرأ الرسولين الخطاب على مسامع الرسول ، واعلنوا ان موقفهم مع زعيمهم ، قال لهما عليه السلام :

أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما !

ثم وجه عليه السلام رسالة الى مسيلمة بن حبيب واتباعه جاء فيها :

” بسم الله الرحمن الرحيم ؛ من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب . سلام على من اتبع الهدى ؛ أما بعد ، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين “

وقد مات رسول الله ومسيلمة الكذاب لازال مستقلا بقومه في اليمامة وقد انضمت اليه سجاح التميمية وهي مدعية للنبوة مثل مسيلمة .

وقد اورد المؤرخ الطبري خبراً يفيد بأن ردة بني حنيفة لها ارهاصات سابقة لأعلان مسيلمة ، فقد نقل عن عدد من رواة التاريخ الاوائل أن أثال الحنفي – وكان مع ثمامة بن أثال –  قد روى له بأن شخصا اسمه نهار بن عنفوة الحنفي وهو من المهاجرين الى الرسول وقد ارسله الرسول الى حنيفة لحث الحنفيين على الاسلام وتكذيب مسيلمة ، الا أن نهاراً هذا خالف ما ارسل من اجله واخذ يكذب على الناس ويقول انه سمع رسول الله يقر بشراكة مسيلمة الكذاب مع النبي في الرسالة ..

 

 

 

حروب بني حنيفة مع المسلمين

اعلن مسيلمة الكذاب نبوته وعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتسام النبوة ، وقد مات الرسول وفتنة مسيلمة لازالت قائمة حتى تولى المسلمين ابي بكر الصديق ألذي تولى محاربة المرتدين وعلى راسهم بني حنيفة أشد المرتدين قوة .

وكانت سجاح التميمية قد اقبلت من الجزيرة الفراتية ومعها ناس من تغلب وبني النمر – وهم اخوالها وقيل أنها من تغلب – ، ووافقت مسيلمة الكذاب في ماذهب اليه وتحالفت معه بل وتزوجته .

أرسل الخليفة ابي بكر رضي الله عنه عدة سرايا الى مسيلمة كان اولها بقيادة عكرمة بن ابي جهل الا انه هزم امام بني حنيفة ، ثم تدخل القائد العظيم خالد بن الوليد وقاد بنفسه جيشاً لقتال بني حنيفة الذين بلغ عدد مقاتليهم حينئذ أربعين الف مقاتل.

 

يوم عقرباء

وعقرباء شمال الرياض اليوم بالقرب من العيينة ، وفيها التقى جيش المسلمين مع مرتدي حنيفة بقيادة مسيلمة ، وجزء من تغلب والنمر بقيادة سجاح ، حيث اشتهر قول طلحة النمري الذي سأل مسيلمة عن حقيقة نبوته ، ثم قال له : أشهد انك كاذب وان محمد لصادق ! ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر!

وقد قتل طلحة النمري هذا كافرا مع مسيلمة ..

وقد واجه خالد بن الوليد صعوبة شديدة في هزيمة بني حنيفة ومن معهم ، خاصة وان المناخ في اوله كان سجالاً عنيفاً لم ينتهي الا بقتل مسيلمة الكذاب ، وخاصة بعد أن تمكن المسلمون من فتح الحصن المعروف بالحديقة التي تحصن فيها مسيلمة مع اتباعه والتي تولى فتحها الصحابي البطل البراء بن عازب ، فما ان فتحت هذه الحديقة حتى انهزم الحنفيون وقتل مسيلمة ، وكان الذي دل المسلمين على مسيلمة هو مجاعة الحنفي ولم يكن مسلماً ، بل أراد ان يحمي قومه من القتل ونساء قبيلته من السبي ، وقد وقع خالد بن الوليد مع مجاعة هذا الصلح الذي بموجبه انتهت الحرب بين الطرفين .

 

الصلح

كان مجاعة الحنفي قد لعب لعبة عسكرية على خالد بن الوليد ، فبعد انتهاء يوم عقرباء وقتل مسيلمة قتل معه من بني حنيفة اكثر من سبعة آلاف ، وكان لدى بني حنيفة عدد من الحصون توهم المسلمين انها مليئة بالمقاتلين ، فاراد مجاعة اقناع خالد بن الوليد في هذا الوهم حتى يحمله على ان يكف القتال عن قومه وبالفعل انطلت الحيلة على خالد بن الوليد ووقع الصلح على الكف عن القتل ، ولكن الحصون عندما فتحت لم يجد فيها المسلمين الا النساء والصبيان ! ثم قام خالد بن الوليد بصادرة املاكهم ونخيلهم ..

 

 

 

 

 

بني حنيفة يدخلون اللهازم من بكر

اللهازم هم قبيلة من بكر ربعية كانت تؤلف نصف قبيلة بكر بن وائل ، وقبائل اللهازم هي : عجل ، وعنزة ، وقيس بن ثعلبة ، وتيم اللات وهم الاساس في قبيلة اللهازم ، وقد انضم الحنفيون الى بني عجل بن لجيم ، لان عجل هو اخو حنيفة بن لجيم .

وقد تحدث الاصفهاني في كتابه المعروف الاغاني عن قبيلة اللهازم وعلاقة بني حنيفة بها :

” وقد دخل بنو قيس بن عكابة مع إخوتهم بني قيس بن ثعلبة بن عكابة. وأما حنيفة فلم تدخل في شيء من هذا لانقطاعهم عن قومهم باليمامة في وسط دار مضر، وكانوا لا ينصرون بكراً ولا يستنصرونهم. فلما جاء الإسلام ونزل الناس مع بني حنيفة ومع بني عجل بن لجيم فتلهزموا ودخل معهم حلفاؤهم بنو مازن بن جدي بن مالك بن صعب بن عليٍ، فصاروا جميعاً في اللهازم ” أ.هـ

وقد أكد ايضاً المؤرخ الطبري الذي اعتمدت عليه في هذه النبذة ، اكد ايضاً ان بني حنيفة دخلوا في بني عجل بن لجيم واصبحوا من اللهازم داخلين في عجل تحديداً وليسوا بطنا مستقلاً ، وهذا يخالف مايذهب اليه الكثيرين من المعاصرين في بقاء بني حنيفة في اليمامة حتى انتهى على شكل بضعة اسر صغيرة اليوم ..

وقد ذكر الشاعر موسى بن جابر الحنفي عوامل رجوع قومه الى عشيرتهم بكر حين قال :

وجدنـا أبانـا كـان حـل  ببلـدةٍ    سوًى بين قيسٍ قيس عيلان والفزر

فلما نـأت عنـا العشيـرة كلهـا     أقمنا وحالفنا السيوف على الدهـر

فما أسلمتنا بعد فـي يـوم وقعـةٍ     ولا نحن أغمدنا السيوف على  وتر

 فالسبب واضح ، فبني حنيفة بعد هزيمتهم امام المسلمين ، اصبح موقفهم ضعيفاً امام قبائل قيس عيلان ، فارادوا اللحاق بقبيلتهم الام ومن ذلك الوقت بدأ العد التنازلي لذوبان اسم بني حنيفة ، وقد هجاهم الشاعر المعروف الفرزدق – اعني هجى حنيفة – بتبعيتهم لبني عجل فكان مما قال :

عجبت لعجل إذ تهاجي عبيدها       كما آل يربوع هجوا آل  دارم

 قال صاحب الاغاني : يعني بعبيد بني عجل قبيلة بني حنيفة …

ويعطينا هذا مبرراً ليس فقط لاختفاء مسمى بني حنيفة وذوبانه في حلف اللهازم، بل حتى مسميات ربيعة الاخرى مثل اللهازم ذاته ، وضبيعة وتيم اللات وعجل ، لان البطون تتداخل في مابينها ويبقى اسم القبيلة التي يعم اسمها على الجميع، ومن الطبيعي حدوث ذلك عبر 1500 سنة من التاريخ ، ومن الواضح عموم اسم عنزة ووائل عل بطني بكر الكبار ( الذهلان واللهازم) مع مرور الزمن حتى انتهى الى عنزة الوائلية التي كانت مجرد بطن صغير في هذا البطن  الوائلي .

                       

بني حنيفة في بكر

بما أن بني حنيفة اصبحت في عجل من اللهازم ، فقد اصبحت قبائل ربيعة ثلاث اجذام بدلاً من اربع ، وهم : تغلب ومن فيهم ، وبكر ومن فيهم ، وعبد القيس ومن فيهم . غير بني عنز في اليمن ، ومن هنا يتغير مسار التاريخ الربعي على هذه البطون الثلاث الكبرى .

تظهر بني حنيفة بعد ذلك كبطن من بكر وتشترك في الحروب اللاحقة ضد الفرس في العراق ، وعند اندلاع الفتنة تنحاز بكر بن وائل الى صف علي بن ابي طالب ضد معاوية بن سفيان فنجد حنيفة وعنزة بمقدمة جيش علي بمعركة الجمل ،ثم معركة صفين ،وفي المعركة الأخيرة كان الحريث بن جابر الحنفي احد ابرز فرسان بني حنيفة وقيل انه من قتل عبيدالله بن عمر بن الخطاب [9].

لكن لجوء علي بن ابي طالب لتحكيم جعل كلا من عنزة وحنيفة بشكل خاص يثورون عليه معلنين ظهور الفرقة التي عرفت باسم الخوارج ،والتي بدأها معد وجعد العنزيان لتنتهي قيادتها الى نافع بن الأزرق الحنفي ونجدة بن عامر الحنفي  ،وأبو طالوت الشيباني، وهم من فلول خوارج ربيعة بعد معارك النهروان مع علي بن ابي طالب .

من هولاء برز نجدة مع أبو فديك الشيباني ،بشكل برغماتي واستطاع ان يؤسس دولة مقرها  (ثأج) شرقي جزيرة العرب ،وذلك بعد اغتيال علي بن ابي طالب وقتل ابنه الحسين في كربلاء،وتصادم مع حزب عبدالله بن الزبير الا انه تمكن من بسط نفوذه الى اليمن وحارب قبائل عامر التي بدأت تلك الحقبة تستولي على اليمامة .

في بداية الامر كان ابو طالوت وأسمه سالم بن بن مطر المازني من بني شيبان  هو امير الجماعة التي يدخل فيها نجدة بن عامر ، وكانت اول غزوة لهم بعد وفاة يزيد سنة 63هـ هي قرية الخضارم والتي هي قاعدة اليمامة ذلك الوقت ، وقد مر معنا أن معاوية بن أبي سفيان استولى عليها وجعلها للرقيق في سياسته المناوئة لقبيلة ربيعة .

غير ان الخوارج من بكر وبني حنيفة رأو خلع ابي طالوت ومبايعة نجدة اميرا عليهم ، وتم الأمر واصبح نجدة زعيماً لهذه الدولة الخارجية الربعية الطابع ، ومع نجد رموز من ربيعة أبرزهم عطية بن الأسود اليشكري ، وأثبت نجدة انه اوسع نظراً من نظراً وحكمةً من نافع بن الأزرق ، حيث تورط الاخير بالمواجهة مع المهلب بن ابي صفرة الذي انتدبه اهل البصرة من تميم لقتاله وقتال الخوارج في العراق ، وقد دخلت قبائل بكر وعنزة وعبد القيس تحت راية المهلب بعد الصلح الذي عقده مالك بن مسمع مع الاحنف بن قيس زعيم تميم .

واما نجدة فقد بدأ ينظم امور دولته ، وكانت البداية هي الاغارة على قوافل الحجاز الذاهبة من والي العراق والتي كانت تتبع عبد الله بن الزبير ونهب مافيها ، ومنها ماحدث سنة 64هـ عندما اغار نجدة ومعه ستين راكباً على قافلة قرب هجر لابن الزبير .

وقد خافت قبائل بني حنيفة ردة الفعل من افعال نجدة والتي كانت متوقعة من قبل ابن الزبير ، وينقل لنا البلاذري في كتاب انساب الأشراف أن سراج بن مجاعة الحنفي ذهب إلى عبد الله بن الزبير ليأخذ لقومه أمانا ويؤكد له انهم بريئون من افعل نجدة ومن تبعهً، فقال له ابن الزبير: يا سراج ألم ترى ما صنع قومك ؟!  والله لأوجهن إليهم جيشاً ، فقال: والله ما صنع هذا إلا حرورية .

لكن ابن الزبير لم يكن جتى ذلك الوقت يملك الامكانات الحقيقية للتصدي لمن هو مثل نجدة ومن يتبعه من ربيعة ، فقد تقاطرت فرسان ربيعة من العرق للحاق بنجدة هذا تعصباً لقومهم ونكاية بقبائل قيس عيلان المسيطرة على نجد في تلك الحقبة ومن أهم فرسان ربيعة المساندين لنجدة : أبو مخنف الهزاني من عنزة ، أبو سعدة العجلي ، وحي بن وائل اليشكري ، وغيرهم كثير، وكثر اتباع نجدة حتى أصبح دولته القوة الضاربة في جزيرة العرب.

وقرر الأزد في عمان والبحرين مبايعة نجدة اميرا ، وحاولوا اقناع عبد القيس وقالوا لهم : انكم اقرب منا الى نجدة وهو ابن عمكم فبايعوه ، الا أن العبديين رفضوا ذلك واصطدموا بجيش نجدة في البحرين وهزمهم نجدة وسخر أحد شعراء الازد من عبد القيس بعد هزيمتهم :

     نصحت لعبد القيس يوم قطيفها            وما نفع نصحٍ قيل لا يتقبـل

غير أن جماعة من عبد القيس تمكنوا من قتل ابن نجدة واحد قواده وهو مطرح بن نجدة واخوه طارق في بلدة الثوير قرب القطيف اليوم ، وقال احد شعراء عبد القيس :

      إن تقتلونا بالقطيف فـإنـنـا                  قتلناكم يوم الثوير وصحصحا

       وإن تقتلوا منا وكيعا وعاصما              فإنا قتلنا طارقا والمطرحـا

لكن هذا لم يغير من مجرى الامور لان نجدة سيطر على البلاد بكاملها .

 

 

الحرب بين نجدة وقبائل قيس عيلان في نجد :

وبعد أن شعرت قبائل قيس أن نجدة يميل الى توسيع نفوذ قبيلته في نجد حتى قرروا الاغارة على بعض القرى التابعة لنجدة في محاولة لتحجيم الربعيين ، فأغاروا على ذي المجاز وهي قرية في الطريق بين البصرة ومكة المكرمة  ، لكن نجدة خرج اليهم من البحرين سنة 66هـ وهزمهم هزيمة شنيعة رغم استماتتهم في القتال ، وقال احد شعراء قيس يوم عبد الله بن الزبير لسكوته على هذا الوضع الذي عاثت به بني حنيفة:

    على أي شيء أنت بالركن واقفٌ            مقيم وقد سارت بهن الركـائب

    ولا شيء إلا الموت إذ برزت لنا              حنيفة أرباب السيوف القواضب

وخاف نجدة ان يستولي ابن الزبير على اليمامة ، وعين عليها عمارة بن سلمى الحنفي ، بينا استقر هو في ثأج عاصمة دولته .

نجدة يهزم جيش ابن الزبير :

في سنة 69هـ قرر ابن الزبير قتال نجدة ، وضع يده على اليمامة والبحرين والعراق ، فوجه اخوه مصعب الى العراق ، ووجه جيشاً الى القطيف لقتال نجدة بقيادة عبد الله بن عمير الليثي الملقب بالأعور .

ورغم ان نجدة اسثار الحمية الربعية لقبائل عبد القيس الا نها لم تتدخل ، واضطر لمواجهة جيش ابن الزبير بمن معه من قبائل بني حنيفة وبكر وغيرهم ممن يحملون الفكر الخارجي ، وانتصر نجدة على هذا الجيش مما زاده قوة ونفوذا .

استثمر نجدة هذا الانتصار الكبير فوجه عطية بن الأسود اليشكري لبسط نفوذه على عمان ، ثم امر نجد البوادي في كل مكان أن تاتيه بالزكاة باعتبار الخليفة الشرعي للمسلمين ، ثم سيطر على كاظمة( الكويت ) وبها تميم وفرض الصدقة عليهم ، وبلغت دولة نجدة بن عامر اوج عظمتها عندما بايعه اهل اليمن واصبحت دولته مترامية الاطراف فطمع نجدة بع ذلك في حكم الحجاز حيث الحرمين الشريفين .

حاول نجدة ان يهجم على المدينة المنورة ، ثم عدل عنها الى الطائف واختطف احد النساء هناك ، وكتب عبد الله بن الزبير رسالة تهديد شديدة اللهجة الى مسيلمة :

والله لئن أحدثت فيها حدثاً لأطأن بلادك وطأة لا يبقي بها بكري!

لكن نجدة حصل مع ذلك على بيعة اهل الطائف وهم قبيلة ثقيف ، وأعطاهم نجدة حكما ذاتيا للطائف وكان زعيمهم عروة بن مسعود الثقفي .

وأغار على بني هلال وبني نمير اهم بطون بني عامر من قيس عيلان ، واخذ منهم الاموال والصدقات .

ثم سيطر نجدة على سراة الازد جنوب الطائف وعين عليها الحازوق الحنفي اميراً من قبله ، واصبح السيد المهاب المطاع في كل انحاء الجزيرة العربية ، ولسنا مبالغين ان قلنا ان دولة نجدة بن عامر الحنفي كانت حتى ذلك الوقت تعتبر في نفس المستوى من الشرعية التي تتمع بها دولة ابن الزبير في الحجاز ودولة مروان بن الحكم في الشام .

وهكذا نلاحظ ان بني حنيفة في هذه الاحداث لم تكن مجموعة اسر بنطاق قرية صغيرة كما يحاول تصوير ذلك بعض المعاصرين ،وهانحن نرى نجدة ونافع وأبو فديك والشيباني يخرجون من النهروان الى حروراء ثم البصرة ثم ثاج ويصلون الى الحجاز واليمن مع بطون مختلفة من اقرباءهم في ربيعة ،ويدلنا على ذلك ان أبو فديك الشيباني انقلب على نجدة بن عامر وقتله ليواجه بعد ذلك جيوش بني مروان الامويين، قرر هولاء انفاذ حملة عسكرية الى اليمامة والبحرين وضمها للدولة الاموية ، وكانت الحملة بقيادة عمر بن عبيد الله بن معمر احدا الزعماء البارزين في العراق ، وقد نجحت الحملة نجاحا باهراً وقتل ابو فديك ودانت بلاده لبني امية .

اشتعال الحرب الكبرى في اليمامة بين قيس عيلان وربيعة سنة 126هـ

واشعلها كما قلنا المهير الحنفي ، فقد كان والي اليمامة من بني كلاب بن عامر من قيس عيلان واسمه علي بن المهاجر .

جمع المهير جموع من بني حنيفة ومن معهم من ربيعة ، وقال لابن المهاجر ان يخرج لان البلاد بلاده وليس له فيها طاعة ومن هنا بدات هذه الحرب الكبرى .

يوم القاع :

وهو اول المعارك بين الطرفين ، حيث رفض علي بن المهاجر طلب المهير الحنفي بمغادرة البلاد هو وقبيلته بني عامر وقيس عيلان ، فحاربه المهير والتقت قوات الطرفين في حجر وهي منطقة الرياض اليوم ، وفي مكان يقال له ( القاع ) وانتصر المهير انتصاراً باهراً وقال يفتخر :

بذلت نصيحتي لبني كـلاب            فلم تقبل مشوراتي ونصحي

فدى لبني حنيفة من سواهم           فإنهم فوارس كـل فـتـح

واصبح المهير الحنفي اميراً على اليمامة ، فشن الغارات على بطون قيس في نجد مثل عقيل وكلاب ونمير وهلال حتى قال احد شعرائهم :

لقد جمع المهير لنا فقلـنـا               ألسنا نحن عرضتنا الجموع

ثم مات المهير الحنفي ، وتسيد بعده حامل لواء ربيعة عبد الله بن نعمان من قيس بن ثعلبة من اللهازم ، فاستولى على الفلج وضمه اليه واخرج من به من بطون قيس وهم بنو كعب بن عامر ، وضع المندلث بن ادريس الحنفي اميراً على الفلج .

يوم الفلج الاول :

وهو للمندلث بن ادريس الحنفي ، حيث تجمعت بطون بني قيس عيلان وهم عامر ( بنو كعب ونمير وكلاب ) كل هولاء تجمعوا ضد ربيعة في الفلج ، ثم انهزم المندلث وقتل ، وانتصر بنو عامر في هذه الوقعة ، وقتلوا اغلب ربيعة في الفلج ومنهم يزيد بن المندثر .

يوم الفلج الثاني :

وعلم عبد الله بن النعمان البكري خليفة المهير الحنفي بما حدث لقومه بالفلج على يد قبائل قيس ، فسار اليهم وهم بقيادة ابو لطيفة العقيلي العامري الذي لم يلبث الا ان انهزم امام جموع ربيعة القادمة اليه بقيادة عبد الله ، فقال الشاعر سوار بن عمرو الهزاني من عنزة ( بالولاء) مفتخراً :

سلوا الفلج العاديّ عنا وعنكم                  وأُطمة إذ سالت مدامعها دما

عشيّة لو شئنا سبينا نساءكـم           ولكن صفحنا عفّة وتكرّمـا

ثم تفاخر شعراء ربيعة :

سمونا لكعبٍ بالصفائح والقـنـا          وبالخيل شعثاً تنتحي في الشّكائم

فما غاب قرن الشمس حتى رأيتنا               نسوق بني كعبٍ كسوق البهـائم

بضربٍ يزيل الهام عن سكناتـه          وطعنٍ كأفواه المزاد الشّواجـم

وفر أبوك يا لـطـيفة هـاربـاً              ولم ينج من أسيافنا وهو سـالـم

 

ولاشك ان هذه المعارك تستغل فترة الفوضى وبعد اليمامة عن مواطن صناعة القرار في دمشق ، كما انها امتداد لثورة ربيعة في العراق والتي صنفت تحت مسمى الخوارج .

يوم معدن الصحراء :

بعد يوم الفلج الثاني تجمعت جموع بني عامر قيس ، وقرروا الانتقام من انتصار ربيعة في الفلج ، فعمدوا الى منطقة معدن الصحراء لعلمهم ان بها جموعا من حنيفة ، ورغم ان بني حنيفة في معدن الصحراء لم يكونا من المقاتلين بل كانو جمعا من بادية ربيعة الرحل الا ان بني عامر قرروا الانتقام عن طريق الاغارة عليهم وقتلهم .

فهجم بن عامر وقتلوا الرجال ، وسبوا النساء رغم ان هذا  ممنوع بعرف قبائل العرب ، حتى ان هناك من بني عامر وهم نمير تحديدا لم يخالفوا هذا التقليد العربي وطلبوا من بني عمهم الكف عن السبي لحرائر العرب .

وقال شعراء بني عامر يفتخرون على بكر بن وائل :

ورثنا أبانا عامراً مـشـرفـيةً               صفائح فيها اليوم أنصاف ما بها

   ضربنا بها أعناق بكر بـن وائل                جهاراً وجاوزنا بها من ورائها

 

يوم النشاش :

كان زعيم ربيعة  في نجد كما قدمنا هو عبد الله بن النعمان ، وعندما علم احد فرسان بني حنيفة ( وهو عمر بن الوازع الحنفي) بماحل بقومه ونسائه بمعدن الصحراء قرر بنفسه الانتقام وعدم انتظار اغارة زعيم ربيعة ولم يطق صبراً وذهب الى قرية ( اضاخ ) في نجد وبها من بني عامر جمع  فأغار عليه وغنم منهم .

ويبدوا انه اراد استنهاضهم ليقاتلهم ، وحدث ذلك فعلا وهب العامريون من كل صوب واكثرهم من نمير بن عامر ، وقاتلهم عمر بن الوازع الا انه هزم هزيمة شديدة ، وتفرق اصاحبه مات اكثر بني حنيفة من العطش ، وقال بعض بني نمبر عدد من قصائد الفخر بهذا اليوم منها قول حديج النميري :

 

كأنّ أبانا عامـراً لـم يلـد لـنـا            أخاً غير نصل السّيف عند الشدائد

فنحن نداوي بالقنا صفحـاتـهـم                  وبالبيض نخليها مناط الـقـلائد

وقال احدهم وهو دلم النميري يؤكد التعصب المضري ضد ربيعة :

أنا النّميري الذي يحمي مضـر          يرفع من أبصارهم فوق البصر

وقال القحيف العامري :

تركنا على النشّاش بكر بن وائل                 بطون السّباع العاويات قبورها

قتلناهم حتى رفعنـا أكـفّـنـا              بمشهورةٍ بيضٍ حدادٍ ذكورها

وشيبان قد كانت لحينٍ وشقـوةٍ                   كباحثة عن شفرةٍ تستثـيرهـا

وقال القحيف ايضاً :

من مبلغٌ عنا قـريشـاً رسـالةً             وأفناء قيسٍ سـارت وحـلّـت

بأنا تركنا من حنـيفة بـعـدمـا             أغارت على أهل الحمى ثم ولّت

تسكّ نميرٌ بالقنا صفـحـاتـهـم            فكم ثمّ من نذرٍ لها قد أحـلّـت

وفي الابيات الاخيرة اشارة ضمنية لقول عزيز الضبعي عند ثورة الضحاك بن قيس الشيباني  التي تزامنت مع هذه المعارك في نجد وهي قول عزيز في شعره :

الم ترى ان الله اظهر نصره        وصلت قريش خلف بكر بن وائل

 

ولم يقم لبني حنيفة بعد هذا او حتى بكر أي جمع يذكر لمقاومة التمدد العامري في اليمامة ، وزاد الامور تعقيدا هو ان مروان الحمار قام بتعيين احد اكثر المتعصبين لقيس والياً على اليمامة ، فجاء وجمع بني عامر وتشاهدوا على قبائل بكر في اليمامة .

ويبدوا ان قلة وتقلص التواجد الربعي في اليمامة كان اهم العوامل التي ادت الى هزائمهم امام بني عامر ، مقابل هذا كانت الجمهرة والسواد الاعظم من ربيعة في العراق وخراسان غارقة ومتورطة في تصارع التيارات السياسية ، اضافة الى التعصب ضد كل ماهو ربعي ، وقد انتهت هذه السياسة باستيلاء كامل لبني عامر على اليمامة مقابل اختفاء ربيعة منها منذ منتصف القرن الثاني الهجري ومابعده ، واستوطنها بعدهم بنو نمير وكلاب وعقيل بن عامر وهم عرب اليمامة بعد القرن الثاني الهجري ومابعده الى منتصف السابع الهجري .

[1] محمود شاكر، نجد

[2] معجم البلدان ،ياقوت الحموي،مادة محرقة

[3] ثمامة اسمه الكامل : ثمامة بن أثال بن النعمان بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدول بن حنيفة  ، والقصة والترجمة من كتاب الطبقات الكبرى لأبن سعد

[4] الكامل في التاريخ  لابن الأثير المؤرخ  الصفحة : 349

[5] تاريخ الطبري ج1 ص 587

[6] تاريخ الطبري ج1 ص 588

[7] تاريخ الطبري ج1 ص 591

[8] نفس المصدر

[9] الطبري،تاريخ الرسل والملوك ،حوادث سنة 37هـ

مقالات ذات صلة

الكرم عند العرب… يخجل أمم أوروبا

فريق التحرير

من مواطن بني وائل عين التمر ( شثاثا)

فريق التحرير

قبيلة عنزة في تاريخ العراق القريب

فريق التحرير

حذف التعليق