بحوث ودراسات

ناداف & حمد الجاسر : قراءة في كتاب من رمل او طين ؟

 

في الرابع من أغسطس  2010م نشرت مقالا في موقع الدراسات الوائلية بعنوان ( الاسر المتحضرة والانساب المبعثرة) ،حاولت فيها شرح مفهوم مسألة ( التحضر) وتعريفه المضطرب مابين سلوك انساني او إشارة الى مجموعة اثنية بشرية وعلاقته بمعرفة الانساب ،عرجت في المقال للحديث عن كتاب للمرحوم حمد الجاسر حمل عنوان (جمهرة انساب الاسر المتحضرة في نجد).

لم يدر خلدي حين نشر ذلك المقال ان تعالج هذه الظاهرة بدراسة موسعة ذات طابع انتهازي  للباحث ناداف سامين ،الممولة من جمعية اندرو و.ميلون وعدة مؤسسات ومراكز ابحاث  اجنبية أخرى في الولايات المتحدة الامريكية .

ان مقالي المشار اليه كان احد افرازات عدة سنوات من النقاش مع نفس الأشخاص والجهات التي التقى بها ناداف سامين اثناء جمعه كافة المعلومات والأفكار ، وفي الوقت الذي تقيدت انا الى حد كبير بقيود كثيرة منها ابرزها نقص المعلومات وعدم اتاحة الفرص لفهم الصورة الكاملة ،و مايمكن وصفه( الشهادات المجروحة) او (المعالجات المنحازة) كوني انتمي لهذا المجتمع محل الدراسة ، كان سامين خارج تلك القيود تماماً كونه من خارج هذا المجتمع برمته، وتقدم معالجته صورة اقرب للموضوعية واقرب للتشخيص الدقيق ،رغم محاولة مترجمة الكتاب الأستاذة فاطمة الشملان اظهار انها لم تترجم الكتاب فقط بل حاولت وضع ملاحظاتها بصفتها نفسها تنتمي لمجتمع حضري يدعي أصلا قبلياً عربياً  .

 من الواضح اننا نستطيع اعتبار ان نشاط فاطمة الشملان جزء من الدراسة كون المؤلف قد نسق الترجمة العربية معها وذكرها في توطئة  الطبعة العربية الصادرة من (دار جداول) وعدد صفحاتها 300.

ناداف سامين يقدم فكرته بتوسع وملخصها عنوان دراسته ذاته : (من رمل) يعني انساب القبائل العربية او ( البدو ) كما شاع في مدرسة حمد الجاسر، او (من طين) كما يقال عن انساب الاسر التي توصف ( الاسر المتحضرة) وايضاً في مدرسة حمد الجاسر نفسه .

  • مبدأ أهمية النسب الى قبيلة :

تشكل القبيلة العربية او نظيرتها في القوميات الأخرى مصدرا لسؤال عند البعض عن كيفية اقتناع الانسان ومحافظته على صلة القرابة لقرون عديدة مع الوف من البشر او عدة مئات من الألوف في بعض الأحيان في الاشتراك بالنسب ذاته ،بينما تبق هذه الظاهرة عند أناس آخرين عبئاً اجتماعياً تجعلهم يتفككون عن الأجداد البعيدين لصالح الأقرب منهم للذاكرة ودفن ونسيان الابعد وحتى ذريته من أبناء آخرين يندمجون باماكن وأسماء بعيدة  لاتعطي أهمية للاقارب الابعد،سامحين لتفكك على رأس رأس جيلين او ثلاثة او اربع على اكثر تقدير ،وهنا الفرق الدقيق بين القبيلة الكبرى (عشرات الألوف) وبين (الاسرة ذات الجيلين والثلاث)،وعادة يطلق على القبائل ( اعراب) بوصفهم مادة العرب الأولية ،بينما يطلق على القسم الثاني (مولدين) او (ناطقين باللغة) ليقع الاختيار الأمثل على لفظة(حاضرة)،ومن الملاحظ ان شخصية تاريخية مثل عمر بن الخطاب رضي الله كان يصف تلك الفئة بـ(النبيط) ،وعلى هذا جرى فهم الاعراب والعرب حتى ان ابن خلدون الذي يصف الاعراب بنوع من التوحش اكد ان الحفاظ على علاقاتهم النسبية ظاهرة محتكرة عندهم ولا انساب حقيقية لمن انتمى للمدن او الجغرافيا ،في الوقت الذي حل الجاسر هذا الاشكال بوصف القبيلة بالبداوة والاسر بـ (التحضر) نجد ناداف سامين جعل القبيلة محورية ومهمة اجتماعياً  في الوقت الحاضر (والاسرة الصغيرة) مضطرة للتعلق بالقبيلة  الأكبر الموجودة،وتخريج ناداف سامين صحيح اذا وضعنا اعتبار انه معالجة لمنطلق الشيخ الجاسر ، لكنه لم يوضح تشخيص الجاسر -الخاطيء- لمفهومي التحضر والتبدي لتوصيف مجموعات بشرية ،فهناك من القبائل الكبرى من كانوا يعتبرون حضرا بسلوكهم المعيشي حتى قبل عصر النفط.ان نمط المعيشة بين تنقل او استقرار مختلف عن مفهوم القبيلة .

القبيلة العربية تبق قبيلة كبيرة بسبب استمرار ابناءها بالنسب اليها واقعياً وشفهياً لعشرات الاجيال المتعاقبة،فهي ليست خيار معيشي ،او انتماء مقصود لمؤسسة او مجموعة ، وأسلوب معيشتها في الماضي او الحاضر لاعلاقة له بتحديد الانساب اليها من عدمها،الخيار فقط باتجاه واحد وهو الانفصال وليس الانتساب،والانفصل ان حدث سيعني حتمية فقدان الذاكرة للاقارب الابعد ،ومن شأن ذلك تأكيد ان اغلبية الانساب المزعومة لعائلة معاصرة غير قبلية مجرد تخمينات تتبدد بسهولة لو مرت باختبار حقيقي. مثل  المجموعات البشرية التي اختارت تفكك اجيالها والابتعاد عن انتماء غير هام وفق نظرهم مع من يشتركون معهم بجد بعيد فهولاء لم تكن اجيالهم السابقة تعير الاحتفاظ برابطة النسب أي وزن في حياتها الاجتماعية والاقتصادية ،لان ذلك يعوق الافراد في حرية التنقل الجغرافي والسياسي والانتماء على أساس الجغرافيا بدرجة أساسية واتاحته لخيارات اوسع،فتنقطع علاقاتهم مع أبناء جدهم الآخرين وينسون تماما العلاقة(وهذا السر- على سبيل المثال- ان نتائج الحمض النووي تفاجيء الكثير منهم وتجمعهم مع من لايتوقعون ) بينما لاتفاجيء إخوانهم المنتسبين للقبائل واقعياً،ومن خلال نتائج القبائل الجينية نستطيع اجراء دراسة مسحية عرقية بشكل اوثق كوننا نملك معلومات الأقارب المحتملين فنحصل على مشجرات جينية متكاملة وغزيرة ،بينما تبقى نتائج الاسر معلقة على الصدفة الى حين العثور على الأقارب المنسيين والمحذوفين من الذاكرة،وهنا نعرف كيف تجد في المجتمع من يتنسب لقبيلة كبيرة او ينتسب للجغرافياً والمهنة والولاء السياسي .خلاص القول ان الموضوع اعمق بكثير من مسألة ( التحضر) او (التبدي) الجاسرية.

المفارقة التي ذكرها ناداف سامين ضمنياً (لم يذكرها صراحة) هي ان ثمة تغيير في رأي الأجيال المتأخرة لمن اختار اجدادهم الابتعاد عن أقاربهم الابعدين والارتباط بالأرض والمهن او (الحاضرة بتوصيف الجاسر) ،وهي ان هذه الأجيال المتأخرة أصبحت مقتنعة بأهمية الانتساب للقبائل الكبيرة للحصول على مكانة في مجتمع قائم على هذه القبائل كما يفترض .

لقد لجأ الجاسر لمفهوم ( التحضر) كمبرر وظرف (سيء باعتبار التحضر يضيع النسب) وليس كتوصيف لمجتمع ، كمبرر لخيار- او اظطرار- اجداد في عدم الانتساب المشترك لاقارب بعيدين ، والاكتفاء باسم الاب المعلوم الى غاية الجد الأول ربما او من بعده فقط مع عدم اكتراث بالاقارب الابعد ، في حين ان كان بإمكان الجاسر بناء وحدات قبلية من هولاء الأجداد- الباقين بالذاكرة- لتناظر (كتصنيفات ) أسماء القبائل الكبيرة باعتبارها قبائل ،بدلا من اعتبارها من القبائل القائمة ،تلك التي أدخلت الجاسر في معمعة لم يكن في غنى عنها حسب ناداف!

  • حقيقة القبيلة العربية الكبيرة :

ان حمد الجاسر رحمه الله  ،-وغيره كثر- لم يقتنعوا يوماً بالنسب المشترك لعدة مئات الوف من البشر لجد مشترك بيولوجي حقيقي ، وهذا يظهر بوضوح بالمقدمة التي كتبها ناداف سامين ص 17 : (متسائلا عن معنى القبيلة التي يؤمن بها السعوديين؟ ان علماء الانثربولوجيا يعني اناساً يبدون نشاطات اقتصادية ،او عرقية ،او منظمات اجتماعية سياسية) .(ص17)

لقد وضع الاشتراك العرقي احد الأساسيات

 ،بينما الجاسر يرى من الأساس ان أي قبيلة عربية موجودة اليوم غير حقيقية، وانها تجمعات بشرية لاعراق وانساب مختلفة ،أي هناك فرق بين رؤيتين : الأولى للجاسر يرى ان القبيلة العربية ليست لها نزعة مركزية لنسب مشترك حقيقي ،بينما رأى ناداف سامين -وفق التعريف الانثربولجي- أن النزعة العرقية أساسية وان هناك اشتراك عرقي لاغلب المنتمين للقبيلة دون اغفال انتماء اختياري لها من خارجها بوصفها منظمة اقتصادية او سياسية مرجعية لافرادها.

لكن ناداف يطرح بعمق تساؤلاً عن سبب بقاء ارتباط عناصر القبيلة بوصفها منظمة اجتماعية او سياسية ،رغم وجود الدولة التي أصبحت مرجعاً للافراد ؟!

ان التفسير المؤامراتي المطمور في معالجة ناداف سامين والجاسر عن القبيلة العربية مرده ان الأسباب المعلنة من قبل القبيلة نفسها وسردها لنفسها يخفي في طياته نشاطات سياسية واقتصادية وتخرج على شكل انساب ودماء مشتركة ، وهذا الخطاب نلاحظه بوضوح عند اغلب  من درس القبائل العربية من المعاصرين [1].

باستثناء حالات قبلية قليلة ،فان القبيلة العربية في الأساس مجموعة بشر ينحدرون من جد مشترك حقيقي،ويتكاثرون وفي ذاكرتهم الشفهية الاحتفاظ بالانتساب لهذا الجد للتعريف بأنفسهم وحسب ،وليس لاي نشاط سياسي او اقتصادي أي تأثير فيجعل من ليس من القبيلة منها بقرار مقصود او يتخذ بجلسة محددة ،بل يحدث الانضمام للقبيلة- لعناصر من خارجها- بظروف مختلفة وكثيرة ومتشعبة لايمكن رصد قاعدة لها.

ان حفظ النسب ،تلك الكلمة المشهورة عند العرب لاتعني معرفة أسماء الإباء السالفين بكل دقة ،بل تعني احتفاظ مجموعة كبيرة من الناس بنسب مشترك لجد يجمعهم مع الوف آخرين ولجد بعيد جدا ،مع البقاء قرونا طويلة على هذا النسب[2] .

ان الجاسر او غيره من مؤلفي عرب وأجانب يميلون لاكتشاف العوامل الخفية(الطابع المؤامراتي) باعتبارها اكتشاف متعمق لاكاديميين معنيين باكتشاف هذه الخفايا.

لكن الجاسر توسع عن غيره، وقد اعتبر نفسه او وصفه اتباع مدرسته بـ (نسابة) فقد ترجم هذه الخفايا وقام بتوظيفها في مشروعه لالحاق الفئة (التي قطعها التحضر) عن قبيلتها،ومساعدتها في العثور على انسابها الحقيقية المنسية ،منطلقاً من ثنائية عدنان وقحطان وضرورة ان تكون أي قبيلة عربية معاصرة مزيجاً من نسل هذين الجدين .

 يصف ناداف سامين (ص20) مايفعله الجاسر بانه وقوف ضد القبيلة، بتوصيف نفسها انه مجرد تصور حضري للقبيلة حين تختلط بالمدن ،وان لذلك خلفية اجتماعية تتصدى لها ادعاءآت الانساب الحضرية!

وهذا يعني ان ناداف سامين يقول ضمنيا -مرددا كلام ابن خلدون- ان الانساب هي نشاط القبائل ( البدو وفق الجاسر) ،وان ثمة نوع الدخول على الخط (من قبل الحضر ) لسحب هذا النشاط تجاه السردية الحضرية كما يفهمها الجاسر.

ثمة نقطة غائبة وهي اهم من تساءل ناداف سامين عن تعريف القبيلة ،وهي : هل الانساب علم ؟ ام ظاهرة اجتماعية ؟

فبدلا من الإغراق العبثي في معالجة الفرق بين ( السردية الشفهية) و(السردية المكتوبة) كان على سامين ان يبحث ان كان علم احدهم بانساب عائلته او قبيلته او غيرها علما اكاديميا ام متعلقا بالمعرفة المجتمعية العادية ؟

فالانساب ليست علم ،حتى مع تقديم شخصيات عربية قديمة هو (محمد ابن السائب الكلبي) وولده هشام[3] او دغفل الشيباني على انهم علماء اكاديمين، فكل مايمكن قوله ان ابن الكلبي ودغفل وغيرهم انما  كانوا يعرفون الناس فقط بكل بساطة ،أي يمتلكون قاعدة بينات عن القبائل واعلامها ومشاهيرها وادبها وكل مايتعلق بها عن طريق الحفظ الشخصي الذي دافعه الفضول ،وهي ميزة تشجع عليها- الى حد ما- المجتمعات القبلية العربية وتظهر بمجالسهم بشكل دائم ، ابن الكلبي او ولده او دغفل نقلوا علمهم هذا للناس شفهياً حتى تسنى تحويل رواياتهم الى نصوص مكتوبة وطبعها من قبل الآخرين في كتب تواجه معضلة ابعد من اتهام ابن الكلبي بالوضع والكذب ،فالروايات تواجه اختبارا في صحة نسب الكثير منها لابن الكلبي لاختلاطها بمعلومات لرواة آخرين مع العرب يملكون نفس هذه المعلومات .

ان المرحوم الجاسر  تابع الأسلوب الذي اتخذه المثقفون المسلمون فيما بعد الإسلام ،تم خلق صورة يتعاملون مع ابن الكلبي وامثاله باعتبارهم علماء ،وتخصصهم علم النسب ،وباعتبار ان الانساب علم قائم بذاته ،وعلى ضوء ذلك قرر الجاسر نفسه ان يحترف هذا العلم ، مولدا نظرية التحضر والتبدي لضمان (كفاءة نسبية) لمجتمعه الطيني الخاص بمواجهة السردية القبلية( او البدوية وفق التعبير) التي يتم النظر لها باعتبارها سرديات عوام لاعلماء ، وتبق هذه الفكرة سائدة لدى الجاسر  ونلاحظ تكرار الجاسر في خطابه كلمة (العوام) عندما يتصادم كلامهم او رواياتهم مع طرحه رغم ارجحية كثير من كلامهم لما يتعلق بانسابهم.

ان نظرة الاحترام او التبجيل لـ(النص) تطغى على النص الشفهي، رغم إمكانية تنصيص الشفهي ،لكن لماذا اصبح النصي (القديم) مقدسا ؟ولماذا لم يصبح الشفهي المعاصر مقدسا عند تدوينه؟ ! سنعالج هذا في النقطة اللاحقة عند الحديث عن التاريخ .

لقد اعتبر ناداف سامين ان : ( ثمة انقطاع  يفصل الثقافة الشفهية السعودية عن حاضرها الموثق) ص22 وساق ذلك كمقدمة او بيئة مناسبة لوجود شخص مثل حمد الجاسر ،وهو بذلك يعطي تلميحاً ان لوجود الجاسر مبررا لإنقاذ فئة (الطين ) تجاه ( فئة الرمل) المحتكرة للأنساب القبلية الشفهية ،تلك الانساب التي أصبحت عامل مهم في التعبير عن الهوية في ظل الهوية الأكبر تحت ظل الدولة السعودية.

إضافة لما سبق ،يسوق ناداف سامين مبررا اتجاه حمد الجاسر او ماوصفه ( ادعاءآت حمد الجاسر في الخمسينات) وهو معاناة المرحوم الجاسر من المؤسسة الدينية السعودية او كما يصفها الغرب ( الوهابية) : (لقد حكم على الجاسر بالموت من قبل المؤسسة الوهابية لمحاولاته توسيع حدود المعرفة المصرح بها …) ص23

ثم يتوسع ناداف سامين لاحقاً ليتحدث عن محاولة تأسيس حزب سياسي( نجد الفتاة ) وعلاقته بالفئة التي ينتمي لها الجاسر( فئة الطين) والتي تحاول منافسة الفئة المهيمنة على المشهد الثقافي السعودي ( فئة الرمل) ،وبما ان القمع -كما يزعم ناداف- قد حال دون تلك الأهداف لجأ الجاسر لتقديم رؤيته للأنساب والتواريخ في الجزيرة العربية ،صانعا طريقته الخاصة وتعريفه الخاص للتاريخ السعودي .

لقد فات على ناداف سامين عن مقال هام ينقل موقفاً جوهرياً لحمد الجاسر أواخر أيامه، ذو صلة قوية بدراسته ، وهو مقال محمد عبدالله المشوح ونقله قول علامة الجزيرة الشيخ الجاسر ان : (الانساب خرافة الخرافات)[4] ،حيث رأى الجاسر ان الانساب وحتى نسبه هو خرافة ! ولاريب ان ذلك يعطي تصوراً عن الطريقة التي يفكر بها المرحوم الجاسر عن هذا الموضوع باعتباره معززا لفرضية ناداف سامين نفسه عن ان الجاسر ومجموعته الطينية يريدون سردية منافسة لا أكثر لما يعتبروه سردية البدو او المجموعة الرملية ،وبخبرتي بهذا المجتمع تبق مسالة النسب فرضية علميا قابلة للاثبات او النفي ويمكن أيضا التعامل مع عدة فرضيات لاي عائلة طينية حول جذورها القبلية دون ان يشعر افراد العائلة باي ازعاج،هذا الامر يفسر ان اغلب تلاميذ الجاسر والمتأثرين بمدرسته يناقشون انساب الاسر ومنها على سبيل المثال ( اسرة آل سعود الحاكمة) على ضوء هذه الفرضيات ويبيحون لانفسهم فرض مايشاؤون.

ان الجاسر وان كان صارماً في الانساب التي يتوصل اليها للمجموعات الطينية الا انه يضع لنفسه الحق بخلق اكثر من نسب وفق مرئياته حتى للقبائل  ،لابل ويضع القواعد لهذا الامر ،من ضمن تلك القواعد -مثلا- حكره للنسب التميمي بمنطقة الوشم ،في الوقت ربطت الاسر نفسها في قبيلة تميم الضاربة في منطقة جبل شمر الا ان الجاسر كان لايخفي امتعاضه من هذا التخريج للانساب للتميمية وضروة تخريج واثبات أي نسب تميمي من خلال الوشم فقط وقاعدتيه :شقرا واشيقر ،ذلك ان منطقة جبل شمر وقاعدتها حائل وكل مجموعاتها الطينية والرملية ليست من نجد .ان بني حنيفة -مثل تميم- لمنطقة العارض ،النسب الذي أكده الجاسر للاسرة المالكة الكريمة ( آل سعود) باعتبارهم من المجموعة الطينية ،لكن الجاسر وقت طباعة معجمه الطيني بداية ثمانينات القرن ال20 كان لايزال يخشى ردة الفعل وهو يناقش نسب العائلة الحاكمة ، فجمع بكلام مضطرب بين ماهو متعارف عليه عن آل سعود كعائلة من قبيلة عنزة المعاصرة ونسبهم الى بني حنيفة اسلاف عنزة القدماء الذين تحضروا في اليمامة بنفس طريقة تحضر تميم في الوشم ،ودفع الجاسر بقوله ان التحضر يضعف من يتحضر-بني حنيفة- وعليه الاحتماء بغطاء رملي هو قبيلة عنزة الوائلية الحالية .

  • سردية تاريخ نجد او تاريخ الدولة السعودية :

احد المحاور الأساسية التي ناقشها ناداف سامين ص23 هي التاريخ ،محاولاً فهم الخيط الدقيق مجددا بين ( الشفهي) و ( النصي) ،دون شرح لمفهوم هوية هذا التاريخ :هل هو تاريخ نجد؟ ام تاريخ آل سعود؟

وبرأينا لو عالج سامين هذه التسمية لاجاب على عديد من التساؤلات ،بدلا من الإغراق في محاولة الجمع او التفريق بين النص والشفهي، لقد رأى ناداف سامين ان للثقافة القبلية البدوية طغياناً على تاريخ الجزيرة العربية والمنطقة الوسطى بشكل خاص (لانها اكثر بدواة) ،ومن غير شعور سقط ناداف في الفخ عندما نقل عن كتاب عبدالله البسام[5] مايفيد غياب منطقة نجد عن المشهد التاريخي العربي العام ص24 ،لقد كان هذا الغياب ضروري لخلق فراغ لتعبئته بسرديات شفهية تدون لاحقاً للمجتمع الطيني .

ناداف الذي حاول تقديم الجاسر ومجموعته الطينية على انهم يقتحمون -عبر الحيلة – التاريخ النجدي او السعودي بغية الحد من هيمنة القبيلة الرملية على كل هذه الملحمة التاريخية السعودية ،لقد فات على ناداف معالجة فعالية ثقافية دعا لها الجاسر عام 1379ه-1960م تدعو المجتمع الطيني النجدي لتقديم تاريخه باعتبار ان هذا هو مايملأ الفراغ الناتج عن غياب نجد عن التاريخ ،تلك الفعالية التي تطورت لمقال ثم كتاب حمل عنوان ( مؤرِّخو نجد من أهلها)[6]

في الوقت الذي انطلق ناداف محاولا فهم ماهو شفهي وماهو نصي لم يلحظ حيلة المجموعة الطينية وقائدها الجاسر في تقديم السرد القبلي الرملي على انه روايات عامية تلفيقية الطابع غالباً ص26، في حين ان المجموعة الطينية كانت تمتلك بالفعل السرد الشفهي البديل الحضري الذي سوف يملأ الفراغ في تاريخ نجد، وحتى يبق النص مبجلاً ومقدساً تم تدوين الشفهيات التلفيقية لمجموعة الجاسر بوريقات ومخطوطات[7] اكتسبت صفة المخطوطات الاقدم التي دونها علماء قدماء سابقون بوصفهم علماء من نجد القومية الطينية وليست الرملية ،أي نجد المدن والبلدان ،ولقد جرى اعتبار هذه الروايات هي التاريخ النجدي ثم السعودي الرسمي ،سرعان مالقيت دعوة الجاسر استجابة من المجتمع الطينية فانهالت الاكتشافات الكثيرة للمخطوطات الملفقة والوثائق التي أصبحت تسمى تاريخ نجد وكلها ذات نمط واحد ،واهم مافيها هو زرع قومية وطنية نجديه تجاه الأقاليم العدوة في الجوار مثل الحجاز .

من الواضح ان ناداف سامين يشكك بشكل غير مباشر بهذه التدوينات واعتبرها -رغم تدوينها- سردا شفهياً ، مقدما شكه في نسبتها لعلماء اقدم ، (كشخصية حضرية تسرد تاريخ الانساب الحضرية وتقصي البدو) ص26

يستمر ناداف أيضا في توضيح أهمية الفترة التي ظهر بها الجاسر منقذا للمجموعة (الطينية) خاصة في مايتعلق في اثبات انساب قبلية ، التي يميل انها غير حقيقية ولكن الجاسر كان مبشرا لمجموعة كبيرة من السعوديين لحل اكثر المشاكل التي تؤرقهم : :مستقبل زواجاتهم ، انتماءهم ضمن الامة ..الخ  ص27.

يقول ناداف شارحاً : ( لقد غاب غير القبليين الذين كانت سلالاتهم موضع شك تاريخي من صفحات الاحداث السعودية ماقبل الدولة الحديثة ،مع هذا هم الآن النصراء الرئيسيين لثقافة الانساب في المملكة الحديثة) ص27

وهذا أدى الى الظهور الطبقي في المنطقة الوسطى من المملكة العربية السعودية وشمل كل ارجاء المملكة ،وهي التقسيم الحاد في المجموعة الطينية ذاتها لما هو :قبلي ، وغير قبلي ،وكتاب الجاسر او رأيه المكتوب هو الشهادة الوحيدة لتحديد الطبقة الحقيقية للعائلة الحضرية ، القبلي لدى الجاسر لم يعد هو الحضري المقيم في نجد ،فالجاسر قادر على اثبات قبيلة لاي عائلة ،اصبح مصطلح (الغير قبلي) خاصاً بمجموعة من الاسر قليلة الشأن فقط.

ومن هنا يعتبر ناداف ان دراسة هذه الظاهرة وشخصية الجاسر هي لب كتابه (من رمل او طين)

في أجزاء لاحقة من الكتاب يصف ناداف عدم اهتمام المجموعة الرملية ( القبائل او البدو) بكل مايقوله الجاسر وعدم تأثير ذلك على حياتهم في المملكة ،بينما المسألة مهمة جدا لدى المجموعة الطينية فعدم إقرار الجاسر لصحة انسابهم يعني تداعيات خطيرة على حياتهم بكل جوانبها ،ويمكن ملاحظة هذا من اختيار سامين لنماذج من الرسائل الموجهة للجاسر من قبل اسر حضرية في الوقت الذي ناصر الجاسر بعض الاسر فقط في انسابها ورفض انساب أخرى لمجموعات طينية كثيرة وبالذات ان كانت خارج نجد كما يعرفها الجاسر.

ان النقطة الأخيرة لم تعالج بشكل جيد عن ناداف ،ففي الوقت الذي تهاون الجاسر برسائل اهل مدينة العلا (الحجاز) واستهانته بالمجموعات الطينية النجدية ان كانت لاتستحق نسباً قبلياً بتوقيعه،كان على ناداف معرفة ان مفهوم (نجد) عند الجاسر ينحصر في منطقة الرياض او العارض ،وسدير ،الوشم ،القصيم ،اما منطقة حائل وجبل شمر والجوف ومايتبع هذه المناطق من قرى ، لايعتبرها الجاسر من نجد ،ولذلك نلاحظ خلوا معجمه من الاسر الطينية ككل من هذه المناطق رغم انها من نجد جغرافيا وتاريخياً،ومن الطبيعي ان تكون نجد في التواريخ الملفقة لاتتجاوز هذه المناطق ايضاً،وهذه نقطة هامة لم يلاحظها ناداف سامين عند محاولة فهم ردود الجاسر على بعض الرسائل من حائل والجوف،بيد ان ذلك لم يمنع اختطاف اسر من شمر في حائل لوضعها ضمن المجموعة الطينية مثل عائلتي : ال علي وال رشيد ،كذلك اختطاف الاسر النبيلة في قبائل عسير الجنوبية مثل : آل متحمي وتضمينها المجموعة النجدية الطينية[8] ،وتعدى ذلك الى ادراج اسرة آل ثاني حكام قطر رغم انهم خارج نجد، ان ذلك يعكس ان الجاسر يجسد-وفق الجاسر- فكرة ان أي عائلة حاكمة يجب ان تكون خلفيتها طينية زراعية لاقبلية رملية،ومن شأن ذلك يجعل تسويق التحضر على انه -وان كان قضاء وقدر سيء- الا ان له بعض الإيجابيات، يطغي وهجها على تضييع الانساب المرتبط عادة بالتحضر عند الجاسر.

ان الانساب الجاسرية للمجموعة الطينية النجدية يجب ايضاً ان تنعكس على التاريخ ،وبالذات التاريخ الذي يسبق قيام الدولة السعودية منتصف القرن الثمان عشر الميلادي ،وهو القيام الذي توازت فيه عائلتين : آل سعود القادة من عنزة ، وآل شيخ الاسلام من تميم ،كان على الجاسر تقديم منطقة وادي الباطن ( وادي حنيفة بالمعاجم التركية والاوروبية) كمنطقة تحضر قديمة لاحد بطني ربيعة الفرس : عنزة وحنيفة واقاربهم من بكر بن وائل ،وذلك حتى يخرج بسردية طينية للاسرة الحاكمة تواكب السردية الطينية لكل الاسر النجدية في معجمه،وهكذا نجد ان مجموعة الكتب التي سميت ( الخزانة النجدية) وظهر معظمها بعد ندوة 1960م السالفة الذكر تصب في ترسيخ هذا التصور ،وهذا هو السبب لما لاحظه ناداف سامين ص 99 من الكتاب : ( نجد في العودة الى المصادر النجدية فئة اجتماعية غائبة وهم البدو ) ..(يقعون في الخلفية لدى سرد تاريخ المنطقة الوسطى) او (كمجندين وتُبع..) ،ينطلق ناداف للمقارنة بين هذه المصادر وبين شهادات مستشرقين زاروا المنطقة مثل بلغراف او كارستن نيبور سنة 1761م.

رغم ان ناداف يشكك بهذه الكتب ضمنياً بل حتى في آخر سطر من الدراسة ،الا انه لم يقدم الصورة الكاملة لما أراد الجاسر بناءه بالذات عن العائلة الحاكمة آل سعود وكونها ضمن المجموعة الطينية ذات الأصل البدوي المقبول عند الجاسر ، وهي ان آل سعود قادة سياسيين لبلدة كان يشترك معهم قادة سياسيون طينيون في بلدان أخرى في منطقة نجد لاسيما في منطقتي الوشم التميمية وكذلك سدير التميمية ايضاً.

بينما البدو  او القبائل كانوا يرتهنون لموقف من يدفع اكثر من هولاء الامراء لتلك الدويلات الصغيرة السابقة لعلو شأن آل سعود ،هذه السردية التي تتناقض مع الواقع التاريخي لتاريخ المنطقة كرست بعدة أساليب احتيالية متنوعة : منها مثلا اعتبار كل الكتب والشهادات التاريخية من غير اهل نجد كاذبة غالباً ، او مخطئة غالباً ، والاصح هو ما أراد الجاسر تكريسه بعنوانه ( مؤرخو نجد من أهلها)،أي العودة للمثل العربي (اهل مكة ادرى بشعابها).

ان اغلب الكتب تم تأليفها او العثور على مخطوطاتها من قبل طلبة العلم المرتبطين بالمؤسسة الدينية الرسمية وعلى راسها عائلة آل شيخ،وهذا لوحده كفيل بعدم مناقشة مصدريتها او صحتها ابتداء ،ايضاً حضور النسب التميمي في وسط كهذا كان اكثر تبجيلا من النسب العنزي للعائلة الحاكمة ،التي تم فرض او محاولة تسويق خجول ان تكون هي تميمية ايضاً،ومحاولة التلميح ان الدعوة الإصلاحية برمتها سرقت من تميم سياسياً ،كما نجد في الاخبار التي تزعم ان اسرة المعمر في العيينة هم الحكام الأصليين للدولة ومتبنين لدعوة الشيخ الإصلاحية قبل قيام الامام محمد بن سعود بقتل ابن معمر وهو في المسجد!

  • فن التسلق الاجتماعي من الاندلس الى السعودية:

هذا العنوان ضمن التوطئة التي دخلها ناداف سامين قبل ان يسمح لنفسه بدراسة شخصية حمد الجاسر النسابة ،رأى ناداف ضرورة فهم العوامل التي تقحم المجموعة الطينية التي يقودها الجاسر في الانساب التي تتعلق بالمجموعة الرملية كاحد سماتها الأساسية .

بعد تحدث عن ظاهرة المتسلقين الاندلسيين من أصول يهودية وإسلامية على مجموعة من الارستقراطيين المسيحيين ،بحيث يبيع الاخيرون شيء من النسب او الانحدار من نبلاء قدامى في أوروبا ، الى تلك المجموعة الثرية من اليهود والمسلمين السابقين.

يقول : ( القصة المروية في هذا الكتاب -بالرغم انها منقولة الى سياق تاريخي وسياسي متباعد جدا – الا انها تتبع مجموعة مماثلة من المتسلقيين الاجتماعيين والطامحين) ص29

وضمن التوطئة وتحت عنوان ( الهوية القبلية والدولة السعودية) يختتم ناداف توطئته ،ولعله يضيف عاملا خارجياً لخلق مجتمع يهتم حقاً بالنسب القبلي لكل افراده ،ان ناداف هنا يضيف عامل خارج ذو سمة اجبارية وليست مجرد نرجسية اختيارية ،ان النسب القبلي : (تم رصده من قبل الدولة من اجل تنظيم وتنسيق محكم لمواطنة الفرد الجديدة ، جسد النسب القبلي كعنصر ضروري للانتماء الوطني.مما صنع عجزا لاولئك الذين لم يتمكنوا من استحقاقه صدقاً…) ص32

بعد مقارنة تعامل الجمهورية التركية الحديثة مع الانساب الكردية بغية تقويض الاكراد ثقافياً يقدم ناداف سامين تفسيره المؤامراتي لتعاطي الدولة السعودية مع الانساب القبلية كضرورة لشرعنة حكم آل سعود ص34،وسنلاحظ ان الافتراض المؤامراتي كان مؤثرا بشكل كبير على تعاطي سامين ودراسته مما افقده بعض العناصر الهامة لدراسته ،المقابلة هنا خاطئة فالانساب ليست قرار او خيار سياسي ،فالجمهورية التركية الحديثة هنا تسلك سلوك معظم الأنظمة الجمهورية السياسية الحديثة في الشرق الاوسط التي تعتبر الانتماء القبلي مؤشر رجعي مضاد للحداثة والوجه الحديث للدول ،بينما في دولة مثل السعودية نظام الحكم فيها وراثي يعتبر امر طبيعي ومنسجم وغير متضاد مع الحداثة ـ”بمعنى آخر لايوجد تعمد وعمل مقصود ذو ثمرة سياسية من هذا النمط كما يحب دوما المعتقدين بالمؤامرات .

 

 

  • ايديولوجية القربى من آل سعود :

لقد ناقش ناداف سامين مسألة نسب آل سعود ،في موضعين :الأول عندما تحدث تحت عنوان( المادة السوداء للانتماء القبلي) ص 116، وفي آخر الكتاب تحت عنوان (ايديلوجية القربى من آل سعود) .

بسبب الطابع المؤامراتي لدراسته فقد وصل الى ضرورة ان يدعي آل سعود النسب الى عنزة باعتبارها المجموعة العربية الأقوى منتصف القرن الثامن عشر : (ان آل سعود ادعوا في القرن الثامن عشر ان اصلهم من عنزة ،لان ذلك سيساعد في شرعنتهم في تقدير احدى اكبر المهددات لسلطتهم) ص116

المرحوم الجاسر وكافة تلاميذه من المجتمع الطيني كان همهم منصبأ لنفي هذه الحقيقة وان شاب ذلك الكثير من الحذر الذكي من قبل الجاسر ،الجاسر الذي رأى ان تكريس ان يكون آل سعود من المجتمع الطيني اهم واثمن من تحديد نسب قبلي لهم كمثل أي اسرة أخرى بمعجمه.

لكن في الوقت الذي وصل فيه ناداف للملكة لاجراء دراسته كان قد التقى بتلاميذ الجاسر الذين نفوا له بالاجماع ان يكون آل سعود من عنزة رغم ان الجاسر لم يقل ذلك بل صادق على النسب العنزي وتمسك بشدة بطينية آل سعود ،التي اجبرتهم على الانتساب للقبيلة الرملية ![9]

وفي ص 264 (ايدلوجية القربى من آل سعود) . يلمح ناداف بذكاء غرض الجاسر : (يمكن للمرء ان يحتفي باسلافه كمصغر لاسرة ملكية كتقليد للعائلة ) ،ثم قوله : ( ان اكثر هولاء المقلدين نجاحا هم أولئك الذين عرف اجدادهم بمسافة قريبة من الخلفاء التاريخيين لآل سعود،والذين يعودون بالتاريخ للقرن الثامن عشر).

(رغم أن ذلك متحقق لعائلة مثل آل شيخ آل سديري الا ان سعي الجاسر ومجموعته لصهر قصصهم التاريخية والنسبية في لحظات حاسمة من التاريخ السعودي ،وعلى أمل التقاط بعض من فضلة الكاريزما  او حظة لدى الاسر المالكة ) ص264

وهنا طبعا احد اهم اهداف المرحوم الجاسر ،واحد اهم الأسباب وراء وجود مايسمى المخطوطات النجدية التاريخية التي تتحدث عن وجود وهمي لاسر ملكية (مصغرة) بعشرات القرى والبلدان النجدية غير آل سعود وقبلهم،ففي فترة من الفترات عندما حاول الجاسر وتلاميذه اختراق مؤسسة مثل دارة الملك عبدالعزيز كان مديرها عبدالرحمن آل شيخ ، سمح الجاسر لتلميذه عبدالله بن خميس ان يهاجم عبر مجلته (العرب)[10] تحقيق آل شيخ لكتاب تاريخ ابن بشر لاسيما قوله ان آل سعود من عنزة ، قال الخميس موبخاً آل شيخ : (لقد اقحمت عنزة اقحاماً) رغم أن ال شيخ كان يذكر النسب الطبيعي المعروف للعائلة الحاكمة .

لم تقع عين ناداف سامين على مقال الخميس رغم اشارته لتحقيق هام اوكلته دارة الملك عبدالعزيز للدكتور عبد الواحد عبدالراغب عن كتاب مثير الوجد في انساب ملوك نجد ،وحيث ان عبدالواحد قال ان السلسلة النسبية فيها مبالغة عبر تسمية كل اجداد آل سعود وصولا الى آدم نفسه ،ملخصاً ان مايمكن الجزم به هو فقط : (ان آل سعود من قبيلة عنزة )ص266

ان نسب آل سعود الى عنزة  البدوية يجعل من المتعذر ضم الاسرة الحاكمة لمجموعة الجاسر الطينية ،كون قبيلة عنزة الوائلية موجودة واقعيا واغلب  فروعها خارج نجد كما يعرفها الجاسر ،وعليه فتخريج نسب حنيفة على أساس ان القبيلة متحضرة منذ عصور قديمة اقرب نفسيا للجاسر وتلميذه ابن خميس الذي استطاع اعتبار عائلته (اهل العوجا) حتى مع تخريج الجاسر نسبأ باهليا متحضرا لعائلته.

النسب الى حنيفة كان احدى الحملات الدعائية للعثمانيين ،رغم انهم في تقاريرهم الروتينية ذات الطابع الموضوعي كانوا يقولون ان العائلة من عنزة ، الا ان التذكير بمسيلمة الكذاب كان مناسباً جدا من كل النواحي ضد عائلة نافست السلطان العثماني دينياً، ولذلك نجد النص – المدسوس- الذي ينسب آل سعود الى حنيفة عن ابن بشر يرمي بهذا الاثم على اسم شخصين هم :ابن خنين وابن سلوم مع ختمه بعبارة (والله اعلم )،وهولاء معروفين بعداوتهم المذهبية مع آل شيخ  ،وعندما تمكن الجاسر من فرض نفسه في الساحة الثقافية والصحفية في المملكة عالج النسب الحنفي للعائلة الحاكمة بطريقة تجعل من الممكن الجمع كونهم من عنزة المعاصرة ،لو اظهر بعض امراء العائلة غضبهم يوماً من التسمية بحنيفة فيمكن الاختباء خلف الاجتهاد وعدم النفي عن قبيلتهم الاصلية وهي عنزة.

بسياق دس النصوص على ابن بشر ،الخبر المصنوع في التاريخ عام 850ه هو جزء من هذه الدعاية ويحاول تكملة ماعجز عنه الكلام المنسوب لابن خنين وابن سلوم الاعداء ،اذ يظهر ان سلف آل سعود مزارع من القطيف قدم الى الدرعية في تلك السنة ،لايحتاج الخبر ادلة انه موجه ومقصود لربط آل سعود بحركة القرامطة او التشيع وهو هدف عثماني توافق ايضاً مع خصوم محليين للدولة السعودية مثل آل رشيد من شمر ، الا ان توظيفه في جعل آل سعود من المجموعة الطينية كان أهم من التوظيف السياسي ،لذلك لما تتابعت الحوليات في الظهور ظهرت حولية ابن عيسى -وهو احد اكثر من تم التلفيق باسمه- باضافة جملة بني حنيفة على الخبر بشكل صريح .

والخبر برمته لامعنى له الا هذه الجزئية ( نسب آل سعود مناطقياً وقبلياً) وتحديد المعروفين اليوم من الاسر الطينية اقارباً لهم ، حيث يتم الاقحام للامور المطلوبة بامر رجعي وتقديمها على انها نصوص تاريخ  ،ان العائلة التي اقحمت بخبر قدوم مانع يعطي دلالة على وقت صناعة الخبر وتسلله لتاريخ عثمان بن بشر ،ومن الواضح ان اسرا طينية أخرى اقحمت نفسها لاحقاً بهذه الرتبة لاسيما القادمين من العراق او الزبير التي تحتل موقعاً مهما في وريقات الخزانة النجدية .

أشار ناداف ص 268 ان الدارة هاجمت نفسها ،وناقضت موقفها، عن نسب آل سعود الى عنزة عبر إعادة تحقيق كتاب مثير الوجد حيث اُوكلت المهمة لمحمد عمر العقيل الذي لقب نفسه بالظاهري (تشبها بأبن حزم الاندلسي) ليشن هجوماً عنيفاً على تحقيق عبدالواحد ويكرر ان مسألة عنزة كقبيلة للعائلة الحاكمة تشبه الجنسية ،وان القرابة قائمة ولكنها بعيدة!

بعيدة عن عنزة قريبة للمجتمع الطيني هي هدف مجموعة الجاسر الذي كان بآخر سنوات عمره وقت صدور التحقيق ، اذ يعتبر العقيل من التلاميذ المخلصين للشيخ المرحوم الجاسر رغم اغضابه للمرحوم الجاسر بمواضيع اخرى ،لقد اكد العقيل هذا الهدف وملخصاً غرض مدرسة الجاسر برمتها، بمعالجة لمسألة (عار مسيلمة الكذاب) بالادعاء ان هذا العار واقع على جميع سكان العارض ،وبالطبع اسرة العقيل في هذا الانتماء المناطقي،رغم قول العقيل ان نسب عائلته كما يقول لاسرة حجازية من الخزرج وتخالطت مع اسر غير قبلية (خضيرية على حد وصفه)[11] ولاتخضع لمعايير الجاسر ، الا ان كون الاسرة مستقرة في الوشم قلب نجد فهي ضمن شبكة القربى من آل سعود وتقع لها عيوبها أولاً ومميزاتها ثانياً  ،ومن الطبيعي ان يتحدث عن العيوب ليترك للقاريء استنتاج المزايا المتمثلة في قرابة مع آل سعود.

عندما بدأ ناداف يتحدث عن كتاب نسب آل سعود الذي الفه كلا من فايز البدراني وراشد العساكر وبرعاية الدارة لم يتطرق الى الروايات المتعددة في نسب العائلة الحاكمة التي كان ضمنها رواية تفيد ان آل سعود من قبيلة تميم ،وهي التي وضعها العقيل نفسه كاحد الفرضيات نقلا عن شيخ من آل ثاني وتظاهر بنفيها بطريقة معلمه الشيخ الجاسر في معجمه عن الاسر ، هذه الفرضية زعم العقيل ان لها حظ من الترجيح تعكس الدور القطري في التسلل الى تاريخ نجد واقحام عائلة آل ثاني في شبكة نجد الطينية وهو الامر الذي لم يلفت انتباه ناداف سامين بشكل واضح الا من خلال إشارة ناداف على لسان المترجمة فاطمة الشملان الى مقطع فيديو لعبد الباري عطوان يفسر الازمة الخليجية بين قطر والسعودية على انها صراع قبلي بين قبيلتي عنزة (آل سعود) وتميم (آل ثاني).ص 10

ان محاول فهم اهداف الجاسر وتلاميذه :الخميس ،العقيل وغيرهم ممن التقى بهم ناداف اثناء اعداد الدراسة تتجاوز إيجاد روايات نسبية لمجتمع طيني يريد تدارك ومواكبة المشهد الرملي البدوي الطاغي، لقد كان من المهم لدى الجاسر ان ينتسب الطينيون الى قبائل ولكن بشروطه :

*تكون القبيلة قديمة وغير ممثلة حالياً بتشعبات رملية تقفز على جغرافية نجد الجاسرية (العارض،الوشم،سدير،والى حد ما نجد العليا حيث يريد الجاسر نفسه الانتماء) لذلك فتميم وحنيفة وباهلة وفروع من بكر بن وائل مثل قيس بن ثعلبة خيارات مثالية تتقدم على عنزة وشمر وعتيبة ومطير والخ.

*ان تكون الاسر الحاكمة ضمن المجموعة الطينية سواء بوضع مكان قديم لها في نجد مثل آل ثاني، او بنقلها اعتباطاً ودون مناقشة مثل امراء عسير وشمر .

لم يعالج ناداف معضلات مثل هذه عن الجاسر رحمه الله ، ولكنها تبدو بشكل واضح من خلال التحديات التي واجهت الجاسر في المجتمع الطيني الذي كان يراسل افراده الجاسر على نماذج الفوترة للمحلات التجارية التي يملكها كثير من هولاء ،وكثير منهم يعترض على اختيار القبيلة القديمة لاسيما المتعلق بعنزة وربيعة مع الإصرار على الانتساب للقبيلة القائمة الحالية ، ففي مقال نشره احد موظفي حمد الجاسر المكلفين باقناع عدد من اسر تعيش في منطقة الرياض باختيار قبائل قديمة كانساب مرجعية كان رد كثير من الاسر محبطأ لجهود الجاسر حين اصرر عدد كبير من الاسر على النسب الى عنزة بينما رأى الجاسر انهم يجب ان ينتسبوا لبكر وحنيفة وقيس بن ثعلبة باعتبارها أسماء مدونة تاريخيا بنصوص تحمل وجاهة قديمة ذات قيمة عند عالم مثل الجاسر : ( الاسر التي تنتسب الى حنيفة وقيس بن ثعلبة تترك هذين الجدين وتجعل انتسابها الى عنزة )! وقوله : ( الاسر التي تنتسب الى عائذ تصر انها من عنزة ) ![12]

شكل ذلك موقفاً حاداً لدى الجاسر من قبيلة عنزة الوائلية المعاصرة ،انعكس في تجاهل تام من قبل علامة الجزيرة لهذه القبيلة بشكل عنيف احياناً ،حتى اكثر من تلاميذه من أمثال عبدالله بن خميس وسعد الجنيدل ،ولم يشارك الجاسر في ردة فعله على قبيلة عنزة الا تلميذه الحاد القلم محمد عمر العقيل .

ردة فعل الجاسر ظهرت عندما قام بتأليف كتاب عن مدينة الرياض تجاهل فيه احد اهم معالمها المرتبط بقبيلة عنزة وهو (حلة عنزة) ،وكان بالإمكان ذكر ذلك المعلم مع عدم ربطه بالعائلة الحاكمة التي يعرف الجميع انها عائلة عنزية حاكمة ،لكن الجاسر رأى تجاهل هذا المعلم افضل ومن شأن ذكره ان يعيق مسألة التحضر القديم لربيعة واسلاف عنزة وحنيفة ذوي الأسماء الجاهلية القديمة .

انصب اهتمام الجاسر بتقديم آل سعود كاسرة طينية تكون عائلته وعوائل تلاميذه :الخميس ،والعقيل ،وسعد الجنيدل وغيرهم اقرب الى العائلة الحاكمة ، حتى وان اختلفت الانساب التي هي أسماء قديمة ذات وهج لايعادل ان تكون من نجد وتجري عليك عيوبا وميزات النخبة الحاكمة  ،هكذا هي القربى المثالية من آل سعود .

ولأن الجاسر كان ناشطاً وصحفياً مرموقاً دخل الحياة النخبوية -بلا عقال- أي انه من بوابة العلم الشرعي وطلبة العلم فقد حظي بالتقرب من عدد من كبار الاسر المالكة السعودية ،اذا نلاحظ استعانة الأمير طلال بن عبدالعزيز رحمه الله به بتاسيس دار الفاخرية للطباعة والتحقيق ،وكذلك لاحظنا نشاطه مع تلميذه في مساعدة الأمير سعود بن هذلول رحمه الله بتأليف كتاب (تاريخ ملوك آل سعود) ،ورغم ان الاميرين نسبا عائلتهم الى قبيلة عنزة الوائلية المعاصرة لم يكن من الذكاء معارضة ذلك من قبل الجاسر ،والاكتفاء بالنفي المتشدد لعنزية العائلة الحاكمة في المنتديات الخاصة او المقالات المطمورة بالمجلات النخبوية مثل العرب ومجلة الحرس الوطني حيث تقل احتمالات ان يطلع عليها امير غاضب .

عندما تشرفت بلقاء خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان (2007م ) وكان حينها اميراً لمنطقة الرياض ذكر ان نسب آل سعود حسب الموروث الشفهي هو عنزة الوائلية المعاصرة ،ورد مسألة حنيفة انها منسجمة مع القول ان العائلة من عنزة المعاصرة كون حنيفة ذابت مع عنزة التي تشكل بيت ربيعة الكبير ،وفهمت حينها ان تخريج الجاسر في معجمه هو ماتبناه الملك سلمان .

عالج ناداف سامين هذه النقطة باشارته الى برنامج بثته محط المستقلة في العام التالي 2008م عن آل سعود وكنت انا -كاتب هذه السطور- متداخلاً عبر الهاتف مع الدكتور عبدالرحمن الفريح ،رغم وصف ناداف لي بصيغة الجمع : (محاجات الباحثين السعوديين والمفكرين  لتسوية أصول آل سعود لبني حنيفة وعنزة عبر التركيز على السلف المشترك هي مرواغة على شكل مخصوص) ص269

وان سلمت بدقة الترجمة فاني أرى هذا التخريج من قبل ناداف سامين غير مفهوم وخاصة عندما قال المفكرين والباحثين ،فهل المقصود الدكتور الفريح ام نائف الفقير العنزي !

على كل حال تشرفت بالوقوف بمعية الدكتور الفريح امام الملك سلمان حفظه الله ،وتبادلنا التحايا وكلمات الود ولم نكن بخلاف شخصي ،ثم قيل لنا اننا سنشترك في كتاب عن نسب الاسرة الحاكمة الا ان الكتاب نشر بدون مشورتنا عام 2012م ،لكن الدارة وتلافياً لهذا الخطأ جمعتنا سوية في ورشة عمل عام 2013م لطرح انتقادنا على كل من فايز البدراني وراشد بن عساكر وبحضور الدكتور الفريح ،وقد أشار ناداف لهذا الكتاب الا انني أرى سياق قراءتنا يتحتم ذكر بعض هذه الكواليس عن ظروف هذا الكتاب الذي قيل لنا انه تم منعه من النشر.

بكل الحالات فان ناداف سامين وضع رأيه الأقرب للمنهج العلمي ،الشك والاقرار ،الشك المؤامراتي بنسب آل سعود الذي أوحى به مستقبلوه من مؤسسة الجاسر ،والاقرار البراغماتي انهم لم ينسبوا انفسهم الا لعنزة القبيلة الحالية ، وعالج مسألة حنيفة عبر القول انها خيار تكتيكي ذو غرض سياسي ،وهذه تفاسير الأجانب عن مجتمعاتنا عادة اذا لايقرأون أي سلوك او قرار من او نسب او دين الا عبر السبر الداخلي واضعين امام اعينهم حكمة ( ما وراء الاكمة ما وراءها ) .

[1] يمكن ملاحظة هذا الخطاب في دراسات جواد على عن العرب قبل الاسلام

[2] لازالت الكثير من القبائل المذكورة في صدر الإسلام باقية ،وحتى القبائل التي نشأت بعد ذلك ويسمونها حديثة فاغلبها نشأ قبل 8 الى 10 قرون ع الأقل ومع ذلك بقيت موجودة وابناءها ينتسبون اليها مباشرة .

[3] محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن الحارث بن عبد الحارث الكلبي (60 هـ – 679م / 146 هـ – 763 م

[4] جريدة عكاظ ، الاثنين / 1 / ربيع الثاني / 1434 هـ الاثنين 11 فبراير 2013م

[5] علماء نجد في 8 قرون المجلد1

[6] طبع عام 2015م،واصله ندوة أقيمت برعاية جامعة الملك سعود سنة 1960م

[7] كتبنا عن هذه التواريخ وثبت ان اغلبها ملفق وهنا نشيد بملاحظات ناداف سامين

[8] ادرج حمد الجاسر هذه الاسر في معجمه المعنون(جمهرة انساب الاسر المتحضرة في نجد)

[9] جمهرة انساب الاسر المتحضرة ،الجزء الثاني ،مادة (المردة)

[10] مجلة العرب ،مارس 1980م ،مقال للمرحوم الخميس تعليقاً على تحقيق عبدالرحمن آل شيخ لكتاب تاريخ ابن بشر

[11]   جريدة الجزيرة ، 20 نوفمبر 2008م ،مقال لمحمد عمر العقيل بعنوان (أَبرأُ إلى الله من هذا الكتاب)

[12] من مقال لاحد تلاميذ الجاسر واسمه احمد بن سليمان ، لاجراء مسح لاسر وعوائل الرياض ، مارس 1980م ، مجلة العرب

مقالات ذات صلة

اسبانيا العربية ..دور العبيد في الصعود والسقوط

فريق التحرير

خزانة التواريخ النجدية:صناعة الزيف التاريخي بأثر رجعي

نايف الفقير

مملكة بني حنيفة في النوبة .. دولة الكنوز

فريق التحرير

حذف التعليق