مقالات

ال سعود حاضرة ام بادية: قراءة نقدية موسعة

والجواب ببساطة آل سعود :حكام ! وكانوا يحكمون قبيلة ،ثم ارتقوا للحكم الشرعي ،والمقصود بالشرعية الشرعية السياسية وليس الدينية ،وكافة الاسر التي حكمت وراثيا في التاريخ تستند على ركائز أهمها شرف النسب القبلي ،ان الرسل وهم رسل بعثوا من القبائل ،وقد كان الاتجاه السائد في صدر الإسلام ان الانتساب لقبيلة قريش هو اول ركن في شرعية منصب الخلافة ، ولايقال حاضرة ام بادية الا كان السياق الكلام عن حالة المجتمعات وليس الحديث عن الحكام لانهم حالة خاصة نخبوية .

ان شرعية آل سعود لم تستند على مفهوم الخلافة الإسلامية ،وان اقرت به الادبيات السعودية ، بل استندت على مفهوم (من بيده الحل والربط) ،ومن قادر على إعادة المسلمين الى الإسلام البسيط الخالي من تعقيدات امتزاج العرب بالثقافات المعقدة .

البداوة هي أسلوب او وضع او ممارسة سلوكية ،والتحضر ايضاً  كذلك ،وقبائل العرب عرفت هذين السلوكين ومارست كليهما ،ولن تاخذنا الاستطاله للحديث عن التعاريف الحشوية الكثيرة لهذه المفاهيم، ومنها المفهوم الذي تم ترويجه في الادبيات المعاصرة عن ان البدو هم القبائل ، والحضر هم العوائل التي تكتفي بالانتساب الى جدها القريب، فهذا مفهوم مضلل وغير صحيح .

فالعرب اساسهم قبائل ، فان كانوا اشراف ومشاهير بحكم او سلطة او أي نوع من الشهرة اكتفوا باسم عائلتهم،وتغني الشهرة عن التعريف بالنسب الأعلى، وآل سعود ضمن هذا النمط بكل بساطة، شأنهم شأن الزعامات الاخرى الأقل شأنا في جزيرة العرب منهم في الجزيرة العربية وكانت ولازالت  تدور في فلكهم  مثل :آل شعلان والسدارى وآلحميد(عتيبة)  وآل دويش وآل هذال الخ ، حتى الزعامات التي كانت منافسة او حاولت مثل آل رشيد وآل حميد (والعريعر) ،حيث تحولت الى افلاك تدور مع الآخرين حول آل سعود.

 اما العرب الغير قبليين ،او اهل القرى او -أي توصيف شئت- فينتمون الى  البلد التي عرفوا انفسهم فيها فقط فيقال : فلان اهل البلد الفلانية ،وهولاء لايرتبطون بقبيلة بل يرتبطون بالأرض ،ومن السخيف مثلا ان نقول آل سعود من اهل الرياض !

(والتبدي) سلوك مارسته الاسر النبيلة والشريفة في بلا العرب وعلى رأسها آل سعود انفسهم ، في باديتهم حتى في فترة حكمهم بين مجموعة الرياض التي تقع بين وادي البطحا ووادي  السلي حيث نمت من تلك الرياض العاصمة الحديثة من حلة ، وحيث كان أئمة آل سعود يتدربون على الرماية والسباق الخيل واستخدام الأسلحة وهي أنشطة القبائل العربية، يستقبلون في مضارب (البطحا)  تلك وجوه القبائل الأخرى التي تقر لهم بالزعامة العليا ،وتكافئهم من حيث النسب القبلي المعروف ،وكان هولاء جلساء أئمة آل سعود منذ فجر دولتهم ،ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح زمن الامام فيصل بن تركي رحمه الله عندما زارته بعثة عباس باشا لشراء  الخيول حيث تحدثو عن الحضور لكبير لمشائخ القبائل في مجلسه ،وحتى زمن الملك عبدالعزيز رحمه الله كان جلساءه الخاصين زعماء مطير وعتيبة وقحطان وعنزة وشمر .

الحصون التي تبنى ،لاتقابل منازل الطين في القرى حتى نضع آل سعود في المكان الغير الصحيح، فهي ليست للسكن الخاص وممارسة الحرف لانسان يطلب الرزق بعيدا عن الطموح والاحساس بالمسؤولية المجتمعية ،او  لانسان نشيط في فلاحته او مهنته يغلق بابه الخشبي بكل مساء،بل لادارة دولة تتبعها عشرات القبائل وتحصين مقر ملوكها ،والا فان  آل سعود منذ محمد بن سعود وحتى عصر عبدالعزيز المؤسس للدولة الحديثة لم يستقر لاي منهم الاقامة في حصونهم تلك حتى ل3 اشهر متتابعة ،بل حياتهم كلها غزو وتنقلات في بيوت شعر وخيام على ظهور الابل والخيل في كل انحاء بلادهم،حتى ان الانجليز لما فتحوا سنة 1914م قناة اتصال مع الملك عبد العزيز رحمه الله استرعت انتباهم هذه النقطة، فاخذوا يسألون قبل كل لقاء مع ابن سعود: اين يخيم ابن سعود هذا الوقت! لكنه استقر اواخر عمره رحمه الله عندما استقر الجميع من قبائله وشعبه يتمتعون بمجهوده الذي بذله لهم رحمه الله ،اذن ليس نشاط آل سعود هو نشاط (حوطة) مغلقة ضمن  اسوار تغلق في الليل  بعد ان اخذوا حوطتين نخل من اهداء ابن درع المجهول.

مقارنة آل سعود بسكان البلدان من عامة المجتمعات الذي كانوا يعملون بالحرف المختلفة ضمن مئات ويسكنون القرى تم لاحقاً أيام الشيخ حمد الجاسر ، وهو امر مثير للعجب ان يضع آل سعود مع اسر عامة مغمورة لمجرد ان الأخيرين ساكنين في الرياض او سكنو بقرية مجاورة للعمل او الفلاحة ،وهولاء ياتون من بلدان متفرقة وبطريقة التنقل المعروفة التي تتم بين المدن والقرى وكيفية توسعها بما تحتاج اليه من مهن متنوعة لايمكن باي حال ان نسأل ان كان الحاكم يقوم بنفس المهن ام لا لتصنيفه منهم!

واذا وضعنا الحكام واشراف العرب بعيدا عن هذه المقارنة التي لاتخصهم اصلاً، سوف نصل للتشخيص التالي : ان الفرق بين عائلة في قرية ، وعائلة من قبيلة هو فرق نوعي تام ،وليس فرق سلوك تحضر او تبدي  .

ابن القبيلة العامي سيبق شعوره بالنسب لقبيلته ونسيجها مهما كان سلوكه المعيشي تحضر او تبدى ولن ينتمي الى البلد او الحائط ،وهناك قبائل بكاملها لم تكن  متبدية  مثل عسير وزهران وغامد ومع ذلك شعورهم بالانتماء هو لقبائلهم لامناطقهم ،وهناك قبائل نصفها مستقر على الأقل مثل بني شهر وقحطان وشهران وكل هولاء يشعرون بالرابط القبلي اكثر من المناطقي ،وهنا سنستوعب ان حجة (التحضر) التي روجت في الخطاب الاعلامي استخدمت في غير مكانها .

منطقة نجد فيها مئات من المدن والقرى منذ فجر التاريخ ،من يعملون بالحرف عادة ليسو القبائل ولا الحكام طبعا (عملهم الحكم والغزو والقتال وفرض الشرع) ،وليس في اختلاف تفضيلي بل هو اختلاف نوعي ، فالبشر متساوون امام الله حاكمهم ومحكومهم،لكن كلا وطبيعته :فالقبائل مهنة العامي منهم القتال ،والرعي أي رعي الماشية ،وبالتالي يتدرب على القتال فقط ويتفرغ للمهنتين سويا ، يرعى ماشيته اغلب وقته ويحمي نفسه وقت الحاجة،وحاكمه من نفس قبيلته وهو قائده في المعارك ،والحكام مثل آل سعود هم القادة الرئيسيين (لهم شرعية) على كل القبائل بالتقادم وبعد عقد الاتفاق الشهير بين القبائل على نصرة دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله الذي تزعمه محمد بن سعود المقرن المنحدر من اقوى قبائل العرب تلك الحقبة وهي قبيلة عنزة،وقد حصل توافق تام مع القبائل الأخرى على هذا الاتحاد الذي لم يترأسه شخص مجهول بالنسبة للقبائل تلك الفترة، ويتصدر القادة-آل سعود- دائما الغزو الذي لايقوم به معهم الا القبائل وقياداتها، لاسكان القرى الفلاحين والتجار والحرفيين.وكل مراحل تاريخ آل سعود كانت تتم بهذا الترتيب الى عصر المؤسس رحمه الله ،عندما انشأ لكل قبيلة قاعدة عسكرية للتعبئة ان جاء امر بالتحرك .

الفئات الأخرى من المجتمع ،تلك التي تعمل في الخدمات والحرف التي يحتاجها الجميع حتى الحاكم نفسه،ولذلك عندما تغيب السلطة المركزية او حاكم القبائل العام يحكم شيوخ القبيلة بالنيابة عنه،وفي تجربتنا التاريخية يقر آل سعود التوريث للسلطة في القبائل، على غرار توريث الحكم في عائلة آل سعود ذاتها ،بشرط ان تقر القبيلة ان آل سعود هم السلطة الأعلى على مشائخ القبائل عبر تادية الزكاة والاستجابة للتعبئة التي أصبحت اكثر دينماكية بفضل فكرة الهجر العبقرية،بينما يضع آل سعود امراء البلدات او القرى  اشبه بالمدراء منهم بالحكام ،ودون مراعاة لسلساة توريث  قائمة على النسب كون النسب ليس مهما أصلا عند هولاء .

لدينا عدة تجارب قبل تجربة آل سعود ،وقد واكبت آل سعود زمنياً ، كان هناك الاشراف وهم قبليين وقبائلهم الاشراف ومعظمهم بادية ،ثم آل حميد وقبائلهم بني خالد ،وفي فترة ضعف آل سعود حكم آل رشيد من شمر بقية القبائل باسم آل سعود كما اسماها محمد جلال كشك(وهابية بلا آل سعود) ،وكذلك حكم آل شعلان اقليم الجوف ووادي السرحان ! ولكل من هولاء حصون وقصور في قواعدهم على غرار الرياض.

لكن ليس من الحصافة القول: ان ال حميد من حاضرة الاحساء ، والرشيد من حضر اهل حائل، والشعلان من حضر الجوف وآل سعود من حضر الرياض!

الفرق بين آل سعود وماسواهم من مشائخ القبائل فرق درجة ،درجة آل سعود تزيد عن البقية في ذهن القبائل ، اما النوع والتركيب فهو نفسه :

الحكم وراثي :ابن سعود هو كنية عدة أئمة من آل السعود ،ابن رشيد هو كنية عدة امراء من آل رشيد ..وهكذا

العزوة :اخوان نورة (ال سعود) وكذلك عزوة (ال رشيد)،اخوان بتلا ( ال هذال) ،اخوان جوزا (الدويش) وهكذا

(راعي العوجا) ،وهي الضامر(النحيل) من الابل[1]، واشارة ان آل سعود يضمرون الابل من كثرة غزواتهم كما قال الملك عبدالعزيز :ضمر تضفي عليهن العباتي!

فـ آلسعود هنا مختلفين عن الفلان سكان ضرما او بريدة او عنيزة او الرياض ومنفوحة والملقا والعيينة وثرمدا! وتصنيفهم مع جملة هولاء كما فعل حمد الجاسر هو خطأ ساذج ، ليس بسبب طبقي تفضيلي ،بل بسبب تنوعي.

مدينة مثل الدرعية القديمة او الرياض لم تكن تحتوي بالسابق الا على قصور وحصون آل سعود وعلماء آل شيخ ومن تبعهم   ،ولايكاد يسكن بالبلدة ذاتها معهم الا الخدم والمماليك اما الحكام انفسهم فاغلب وقتهم يتبدون ويغزون طوال العام،والمتابع لنشاط آل سعود الى عهد الملك عبدالعزيز سيلاحظ انهم بمقدمة حملات الغزو،وقلما يرسلون جيش نظامي بتعريفه المعاصر،وان كانت العاصمة قد اجتذبت عمال بناء او مزارعين  او تجار وخلافه فهذا امر طبيعي ،فهولاء سيدخلون البلد مع عامة من يدخل ومن الطبيعي ان يصبحوا جيران لحكام تلك القلاع من آل سعود، نظرا لحاجة القصور والحصون لمزارعين والحرفيين من كل الحرف المطلوبة .ومن ثم حاجة البلدة بعد ان يتكاثر هولاء ويعتق المماليك ويملك الموظفين في القصور الأراضي ،وينتقل للبلدة غيرها من خارجها ضمن عملية لم تتوقف يوما ما عبر التاريخ.

هولاء السكان اغلبهم مجهولين تاريخياً، فلايكتب التاريخ عنهم أي شيء لانهم ببساطة من العامة الذين يترددون على القرى  ضمن نشاطات بشرية عادية  ، ولكن الموجود منهم ممن ورث اطروحات الجاسر ، يشعر اليوم بانه اقرب للحكام ممن سواه من سكان البلاد الأخرى ،وهذه الإشكالية في الانتماء هي محور استراتيجي طغت عندنا على المشهد الثقافي منذ مايزيد عن نصف قرن،وتعود بشكل أساس لمن تسنمو تأسيس الصحافة في المملكة الجديدة بعد النفط، من أمثال الشيخ المرحوم الجاسر ومحمد عمر العقيل وعبدالله بن خميس رحمه الله وغيرهم ،وقد اثرت فكرة ان يكون هولاء باعتبار السكن في قرى العارض او نجد العليا هم و آل سعود شعب من دون الآخرين الابعد موقعاً، حتى جعلتهم يصيغون ان اسلافهم سلائل من سكن في نجد منذ القدم ،شاملين عائلة آل سعود مع هذا التصور الساذج المحتال كما وصفه الكاتب الأمريكي ناداف سامين.

وقد استرعت انتباههم فكرة الانساب القبلية ،وهم بالقرب من مناطق صناعة القرار.

يقول ناداف سامين واصفاً وضع حمد الجاسر في هذه التراتبية : (لم يكن للجاسر موضع في هذه المقايضة الملكية مع البدو سوى ان يكون متفرجاً) وهو يصف المقايضة النسبية بين آل سعود وغيرهم من الاسر الكبرى المعروفة الانساب في القبائل.

هولاء هم من قرروا (الجاسر والخميس وسعد الجنيدل والعقيل وغيرهم) صناعة مايسمى (الاسر المتحضرة ) وإدخال آل سعود في ذلك ،،،: (وتسنى لهم تصحيح لبعض انسابهم ولو عبر الاحتيال )[2]

خطابهم الذي يقدمون فيه منطقة  (نجد) يختلف اختلاف كلي عن الواقع التاريخي ،فهم حريصون على صهر تاريخ القبائل القديمة التميمية والربعية في بوتقة اهل نجد الذين هم الان الاسر المتحضرة، وفق تعبيرهم ، والتي تشكل بمجموعها الشعب النجدي الذي يحكم -بالاشتراك مع آل سعود- بقية الاقاليم من :الحجاز ،وعسير والاحساء وغيرها.

تتيح اطروحات الجاسر وجماعته ان يسمحوا لتقديم انفسهم كشركاء لشرف الحكم والسيادة، لمجرد اثبات ان اسرهم هم سكان الرياض او الدرعية ، والمدن في المناطق الأخرى مثل الوشم او سدير وحتى القصيم المنطقة التي انضت للجاسر عبر الشيخ محمد العبودي ،رغم ان استيطان اغلبهم حديث في الرياض الحديثة وحتى سواها من من مدن سدير والوشم ،وعلى عكس  مايتوقع فان خمول أسماء اسرهم هو اللاعب الرئيس المساعد لهم في مذهبهم ، فمقارنة بالقبائل المعروفة : العنزي او العتيبي او الدوسري او السبيعي او المطيري حتى لو كان قديم العهد  بالرياض ،او أي -منطقة ضمن تعريفهم لنجد- ستوضح هويته القبلية انه ليس من اهل الرياض ولانجد، هو لن ينتمي للبلدة نسباً بكل الأحوال وسيستغني عن هذا الشرف ،وهم سيعتبرونه وافدا حديث التحضر بالمقارنة معهم ،مع تقديم صورة زحزحة القبائل لبعضها عن نجد[3] ،بينما عائلة (الفلان) الغير معروفين يمكن التساهل  بتصوير انهم مستوطنين في البلاد منذ اقدم العصور [4]،ويمكن ربطهم باي قراءة تاريخية للمنطقة وحتى ربطهم بالمكتشفات الاثرية وتقديمها كأعمال وحضارات لاسلافهم ،ويمكن زرعهم باي خبر تاريخي ايضاً ،وربط آل زيد او آل عبيد باي قبيلة قديمة ترد في الكتب انها مرت في المنطقة.

ان فكرة هذه الاسر والعوائل على انهم شعب نجد والعارض وشريك آل سعود في السيادة على البقية تتكرس بأدب وهدوء عبر الندوات والمنشورات والاعلام ،ويهضمها المتلقين دون أي شعور بالانزعاج، باستثناء بعض الفلتات اللسانية من احدهم هنا او هناك عبر وسائل الاعلام او عبر وسائل التواصل الاجتماعي[5] ،ومن شأن هذه الفكرة ان تجعل من أمثال: محمد عمر العقيل من اشيقر، او عبدالله بن خميس من ضرما (زعم انه من شعب الدرعية) ، ان ييشعروا انهم من الطبقة الحاكمة امام القبائل ككل، وامام السكان الاخرين البعيدين عن المنطقة الوسطى، باعتبار انهم أصحاب الأرض منذ  القدم ، حتى ان لعبدالله الخميس رحمه الله شعر بذلك ومنها قوله:

حن هل العوجا حنا منزحة الحفيف    ==   يشهد الله يوم تروي الرجال اعلامها

كم هنوف تلطم الخد من عقب الوليف ==  من فعل ربعي جداها تعض ابهامها

ويصل الامر الى المشاركة في المثالب، يقول محمد عمر العقيل الذي يلقب نفسه بالظاهري : ( التعبير بمسيلمة واقع على اهل العارض كلهم ،وان لم يكونوا من بني حنيفة)![6]

ونجد الجاسر والخميس والعقيل يكثرون من لفظ (اليمامي) او (النجدي) عند تناولهم الشخصيات التاريخية التي مرت على المنطقة من  قبائل حنيفة وربيعة وبكر بن وائل وتميم وباهلة على انهم كلهم سكان يماميون  بمفهوم الانتماء للإقليم ،والجاسر شدد ان القدماء كلهم تحضروا حسب تعريفه للتحضر ،وان الموجودين اليوم من بقاياهم وينتمون لهم بما ذلك آل سعود انفسهم.

دخلوا عقلية جرير -اليمامي- الذي لم ينتبه  لهذا الصهر الساذج، فيهجو حنيفة ويعيرها بمثلبة مسيلمة دون انتباه انه تحضر وعليه ان يتذكر قول العقيل انه مشمول بمثلبة مسيلمة، ولو علم جرير ان محمد العقيل عرّفه بقوله ( شاعر من اهل أثيفية)[7] لنسج جرير قصيدةً عصماء في هجاء ابي  عقيل ومثالبه الساذجة !

يعكس  ذلك طريقة فهم هولاء للقبيلة ومفهوم الانتماء ،مع خلط مفهومي التحضر والتبدي ،النسب القبلي بالنسبة لهم  هو مجرد احتياط تكتيكي، ان نوقشوا اظهروه والا اخفوه واعتبروه خرافة ،وهذا التصريح الأخير للجاسر،والا فا (اليمامية) او (النجدية) هي فقط الانتماء ،النجدية التي تجعلهم من طبقة آل سعود وآل شيخ والخ .

يحتاط العقيل بخزرجيته،والجاسر بحربيته بمفهوم بني سليم القديمة، والخميس بباهليته

بالنسبة لنجد الدولة ،هي تعبير سياسي ظهر زمن الامام تركي ،وماقبل الامام تركي كان آل  سعود يطرحون بشدة انهم أئمة مسلمين يوحدون القبائل العربية ضد الدولة العثمانية التي تآكلت شرعيتها بشكل كبير .

اما زمن الامام تركي الذي كان برغماتياً قرأ الواقع اكثر من اسلافه ،واستفاد من التجربة واخطائها  ليظهر مواكبة للدولة العثمانية باعتباره حاكم نجد بالطريقة التي يفهمها العثمانيين وتعاملوا فيها مع محمد علي باشا في مصر .هذه هي صيغة الامام تركي رحمه الله .

ولذلك فان مفهوم (ولاية نجد) الذي طرحته الدولة العثمانية كحل وسط ينقذها من اشتباك صحرواي طويل مميت، قد مكن الامام تركي الاحتفاظ باستقلاله ضمن حدود ولاية نجد الممتدة من بادية السماوة ونقطة قرب تدمر شمالا وحتى وادي الدواسر ونجران جنوباً ،وشملت الاحساء ايضاً،الا انه استمر على طريقة اسلافه وهي اعتبار نفسه-على الأقل امام قبائله- امام المسلمين الذين يمكن ببساطة اعتبارهم العرب الاقحاح الذين قام عليهم الإسلام من فجر التاريخ ،وهذا المصطلح بالتأكيد ليس كما فهمه الشخ حمد الجاسر وتلاميذه :العقيل والخميس والعبودي والجنيدل .

في عهد حفيد تركي، الرجل النادر في التاريخ عبدالعزيز بن عبدالرحمن، فقد اتعبه شرح مصطلح مفهوم (نجد) للانجليز،تلك القوة الجديدة المسيطرة على كل مايحيط بجزيرة العرب ،فهم ينظرون الى نجد الهضبة او الإقليم بحدود قاطعة،اما عبدالعزيز ينظر الى نجد على انها كافة القبائل العربية ،واراضيي تلك القبائل هي المعبرة عن نجد أينما كانت تلك الاراضي ،حتى لو تجاوزت مفهوم نجد الجغرافي او الإداري في زمن جده الامام تركي،لقد احتار الموظفون الانجليز عن فهم مقاصده رغم تكراره الواضح وكلماته: ان ماتسمونهم البدو او القبائل لن يعترفوا لحاكم الا لنا نحن آل سعود ولن يسعكم ايها الانجليز ان تنتظرون انتظام هولاء الا بدولة يحكمها عبدالعزيز ابن سعود لاغير !  ولذلك قال رحمه الله لابن عمه الشيخ فهد الهذال باجتماع بحث الحدود مع العراق : حنا نعرف بعضنا ! بعد ان قدم مطالبة بكل ماهو جنوب وغرب الفرات  مباشرة.[8]

الفئة الجاسرية التي تعتبر آل سعود (حاضرة من اهل الرياض او الدرعية وحنيفة) ومن نسيجهم الاجتماعي وعبر خطابها الإعلامي حاولت -مثلا- جعل الزبير التي ينظرون اليها انها مدينة نجدية ،حاولوا جعلها زعماً محور مفاوضات الملك عبدالعزيز بما يخص الحدود النجدية العراقية ،واكثروا من ذلك في الكتب ووسائل الاعلام والوريقات التاريخية المزعومة،في حين كان الواقع خلاف ذلك ،ان مفاوضات الملك عبد العزيز مع الانجليز كانت تركز على المعنى الحقيقي لطبيعة آل سعود ورؤيتهم وطريقة تفكيرهم، وانهم أساسا حكام القبائل التي تشكل 95% من سكان البلاد.

 في الشأن الحدودي مع الانجليز طرح الملك المؤسس في مفاوضاته ورقته الاستراتيجية الأولى :نسبه ونفوذه اولاً على قبيلته الام قبيلة عنزة الوائلية ، وقبائل أخرى كانت ولازالت ضمن نفوذ آل سعود مثل الظفير وشمر، استخدم هذه الحجة مرارا وتكرارا في مفاوضاته الشاقة مع الانجليز،لاثبات ان مناطق انتشار هولاء هي مناطق دولة آل سعود ،نوقشت في تلك الخيمة أسماء مثل ابن طوالة وابن سويط وشمر والدهامشة وآل مجلاد والخ،ولم ترد لدى عبدالعزيز اي عبارة تخص الزبير والزبيرين ، باعتبارها مدينة الشعب النجدي كما يتصوره الجاسر او عبد الله الخميس او العقيل وغيرهم، وان  كانت أراضي غرب البصرة  ضمن نطاق مطالباته باعتبارها جزء من أراضي الظفير رعايا أباءه واجداده ،لا على انها مدينة تضم سكان من سدير او العارض.

اننا من خلال ماسبق سنعرف العوامل والظروف التي ابرزت مايسمى التواريخ النجدية والاتجاه الذي سارت فيه ،هذه التواريخ بدات بالظهور بعد ندوة اقترحها الجاسر على جامعة الملك سعود عقدت سنة 1379ه ،وبعهد مديري الجامعة الذين تعاقبا على رئاستها آنذاك كلا من :ناصر المنقور ،وعبدالعزيز الخويطر رحمهما الله ،وكلاهما من طبقة الجاسر، ويكفي ان نقول ان المنقور ابرز وريقات اسرته التاريخية بتلك الندوة ونشرها له الخويطر، ثم تتالت الادعاءآت والمزاعم من كل اهل قرية بان لديهم نبذهم الخاصة ليقوم الجاسر بطباعتها تباعاً في دار اليمامة،مع كتابة تعليقات بعنوان (مؤرخو نجد من أهلها) في مجلة العرب ، ولاتوجد اسرة من اسر سدير او الرياض او الزبير الا ولها على الأقل جملة احداث وانساب في هذه التواريخ التي اكسبتها الجامعة الصفة الاكاديمية ،وقد سبق ان كتبنا عنها .

ناداف سامين يصف هذه التواريخ بانها محاولات لتخليق الانساب لدى مجموعة الجاسر،وتكريس هوية نجد وصناعة مشاهد درامية في التاريخ السعودي لصالح هذه الاسر.

 ان الملك عبد رحمه الله قد اتخذ عام 1932م قراراً جوهرياً ، دمج الدولتين :سلطنة نجد ،ومملكة الحجاز، قطعا لاستمرار الإحساس بالهوية الإقليمية التي أصبحت تهدد ركن الدولة واساس وجودها وهم آل سعود .

ان تاريخ الحزب السياسي المسمى (نجد الفتاة) والذي نشط في بدايات ستينات القرن ال20 يعطينا فكرة عن تطور هام في تفكير الفئة التي رأت نفسها شعب نجد القومي،كان للعقيلات مثل جميل الحجيلان او صالح الطريقي دور كبير في توجيه أفكار الحزب ونخبه المثقفة التي درست في العراق وسوريا وهي احدى مناطق انتشار قبائل العقيلات العريقة .

وجد هولاء ان تفكيك قبيلة عقيل باعتبارها مجرد اتحاد تجار نجديين يتيح الفرصة للانصهار في بوتقة الشعب النجدي كاسر تميمية او عنزية وحنفية للاتحاد مع فكرة ورؤية الجاسر وعبدالله بن خميس وابن جنيدل وتلميذهم الشيخ العقيل،ووفق المفاهيم القديمة لهذه القبائل وليس الحالية كما رسمها الجاسر.

(القصيم كاقليم) اختير بديلا عن فكرة (العقيلات كقبيلة) المرتبطة بالشام والعراق، يتيح لحزب نجد الفتاة الانسجام مع مجموعة شعب سدير والعارض المتحضر الحديث التكوين،اذا لامكان لغير الجغرافيا النجدية  ، والذي يضع آل سعود على راس هذه الاسر المتحضرة، يحيث تكافئها أي اسرة أخرى في الشرف والتصنيف الطبقي،بينما تتيح الحزبية السياسية تطوير هذه الفكرة لما هو ابعد من ذلك ، خلق منافسة حيثيتها :ان كان آل سعود بيت من بيوت الشعب النجدي فعليه اشراك وضع اعتبار للبيوت النجدية العريقة الاخرى ،وهذا التعبير قرأته عن الدكتورة المختصة بعلم الانثربولجيا وسليلة البيت الرشيدي مضاوي الرشيد ، التي لم تدرك بعقليتها الفرق بين آل سعود وبين هذه البيوت المزعومة التي لاتأثير لها اطلاقا في البلاط السعودي ،مع علم أمثال مضاوي الرشيد ان فكرة  (الشعب النجدي) الجديدة تستبعد نجد الشمالية من حائل الى الجوف باعتبارها لاتستحق ان تكون ضمن نجد ذهنياً ،حتى بنسيجها القروي العوائلي المشابه للعارض والقصيم(مابعد عقيل) ،باستثناء ان الجاسر والعقيل وجماعتهم اختطفوا من حائل آل رشيد كعائلة متحضرة بنسقهم، اذ لايمكن وفق تصورهم يحكم الشعب النجدي الا حاضرة مثلهم ومن طبقتهم .

مضاوي الرشيد أعطت بفهمها القاصر تساؤلاتها عن العوامل التي أدت الى نشوء هذا الحزب من قبل جماعات رأت انها جزء من الطبقة الحاكمة ! وهكذا بكل سذاجة يتضح ان اهداف الخميس والجاسر والعقيل أتت اكلها،او هكذا ارادت مضاوي ان تفهم، وأصبحت قناعة ان كل نجدي حضري قديم، هو من طبقة الحكم في الدولة التي لاتعرف غير ال سعود  كحكام شرعيين  ،ولانستبعد الانحياز عند مضاوي في طرح وبلورة الفكرة في كتابها عن امارة آل رشيد ، لاسيما في غمزها قناة البيت السعودي من حيث افتقاره للهوية القبلية كما تفهمها هي ،ولا اشك ان فكر الجاسر ومجموعة العارض له تأثير في غمزها للبيت السعودي بتكافئه مع اسر اقل شأناً ومجهولة في التاريخ.

ثمة حالة مشابهة وقعت في تاريخ الاشراف حكام الحجاز،نعني تشابها مع فكرة شعب نجد وطبقته الحاكمة ، وهي تشبه حالتنا النجدية ،الاشراف حكام من خلفية القبيلة الكبيرة من سلالة علي بن ابي طالب ،ولاشك ان قرشيتهم وهاشميتهم كان حجر الزاوية بشرعيته وليس حجازيتهم او مكاويتهم،وقد توطن بالحجاز اسر كثيرة من شتى الأقطار فكان منهم كثر يصلون انسابهم بقريش او الأنصار ولكن بالمفهوم القديم ،على غرار طريقة الجاسر والخميس والعقيل،وحدث في احدى الفترات ان خلقوا بلبلة في الاستانة عندما اقترح احدى باشاواتهم  ان الباعلوي الحضارم وبما انهم من آل بيت فهم اولى بالشرافة من حكام مكة، البداة الجفاة ،وقد وئد المشروع في حينه بعد كتبت لجنة عثمانية بكل موضوعية ان الباعلوي وسكان جدة الحاضرة ينتسبون اسميا، ولاانساب حقيقة لهم عند القبائل،وبقيت لدينا سجلات عن ردود هولاء الحضارم يثبتون عراقتهم وقدمهم في المنطقة[9].

ان تاريخ الجزيرة العربية ومنطقة نجد خصوصاً لم يكن يوماً غائباً ، في جميع مراحله حتى في الحدث النوعي الاستثنائي الذي ظهر من خلاله آل سعود منتصف القرن الثامن عشر الميلادي 1745م .

ان الفئة التي تنظر لنفسها انها تمثل الشعب النجدي تشعبت في الاعلام والتعليم في بلادنا منذ عهد الاستقرار  ضمن خطة ملوك هذه البلاد في النهضة بها علمياً وفكرياً ،  خاصة أيام  الملك سعود رحمه الله  وماتلاه حيث نشط حزب نجد الفتاة، عندما استقرت الدولة الحديثة ،وبعد ان رقد تحت الثرى الرجل العظيم الذي  نصبت خيامه بملايين المواقع في جزيرة العرب على  مدار 30 عاما من الكفاح.

نحن نعلم ان الدولة والقصر الملكي احتوت كافة ابناءها من قبائل وعوائل بغض النظر عن مناطقهم وقبائلهم، واستثمرت طاقتهم في كل ماهو مفيد لهم  ولوطنهم ،وقد افاد الوطن من أناس نجديين وحجازيين ومصريين واشوام وعراقيين حتى من الغرب مثل فلبي ومحمد اسد،و بعضهم وصل مهام وزير ومستشار لدى قادة هذه البلاد المباركة من أيام الملك المؤسس،وبعضهم تجنس وعاش  هنا  وبعضهم عاد لبلاده،وكل ذلك في نطاق استيعاب ولاة الامر لكل الطاقات المفيدة في تنمية بلادهم ورفاهية شعبهم.

ان آل سعود كملوك وقادة هم أقارب لكل من عاش برعياتهم..

[1] وليست وادي معوج ،او انها ردة فعل حضر الدرعية على من وصفهم بان منهجهم معوج ،وهي مزاعم عبدالله الخميس  رحمه الله

[2] ناداف سامين،من رمل او طين:الانساب والانتماء القبلي في المملكة العربية السعودية

[3] طرح هذه الفكرة البليهد ،وتحدث عنها الجاسر ،والخميس ،والعقيل وحتى العبودي ،واشغلت أبناء هذه القبائل نفسها في نقاشات للإجابة عن سؤال متى نزلنا نجد ومن طرد الآخر!

[4] رغم ان من أبناء هذه القبائل من هو من اقدم من سكن الرياض الحديثة ،وقد تحدث تركي العطيشان في برنامج شريط الذكريات عام 1398هـ ان الملك عبدالعزيز امر باسكان كل قبائله في مدينة الرياض الحديثة

[5] ومن تلك الفلتات غمز اهل الشمال باعتبارهم خارج نجد،وغمز عسير والجنوب،وغمز جدة ومكة باعتبارهم حجاز ، وتقديم مجموعة نجد شريكة للحكم وولائها من المسلمات وطبعا القبائل مستثناه

[6] مقدمة تحقيقه لكتاب مثير الوجد في انساب ملوك نجد ،طبع وإصدار دارة الملك عبدالعزيز

[7] جريد الرياض،   الجمعة 18جمادى الأولى 1429هـ – 23مايو 2008م – العدد 14578

[8] لخصنا كلام الملك رحمه الله من عشرات الوثائق والتقارير الإنجليزية ،إضافة لمصادرتاريخية مثل كتب امين الريحاني الذي وصف مادار في مفاوضات العقير بحضور الشيخ فهد الهذال امير قبائل عنزة الوائلية

[9] هناك تقرير كامل عن محاولة الحضارم انتزاع الشرافة في كتاب :نضيد العقود السنية بتمهيد الدولة الحسنية ،ذيل الجزء الثاني ،تاليف رضي الدين بن محمد بن علي بن حيدر الموسوي العاملي المكي

مقالات ذات صلة

حلف الأزد وربيعة وقيام الدولة العباسية 132هـ

فريق التحرير

قبيلة عنزة في تاريخ العراق القريب

فريق التحرير

الاسر المتحضرة والانساب المبعثرة

فريق التحرير

حذف التعليق