الرحالة والمستشرقين

الوائليون في رحلات جورج اوغست والن

فايز الرويلي : ورج أوغست فالين (بالفنلندية: Yrjö Aukusti Wallin)، واسمه العربي بعد اعتناقه الإسلام عبد الولي (24 أكتوبر 1811 ـ 23 أكتوبر 1852) هو مستشرق ورحالة وأستاذ جامعي فنلندي، من أوائل المستكشفين الأوروبيين لجزيرة العرب . وهذه منقولات من كتابه (رحلات فالين) ملخصة من قبل الباحث الاستاذ فايز دميثان الرويلي.

يقول والن في ص30: ومَعَان الحالية من أكبر البلدان في طريق الحج السوري، فيها مائتا عائلة تقريباً تنحدر من سبع بطون، أو (فناد)، مختلفة، وقد اختلطت بالمهاجرين النازحين إليها من القُرى السورية الأخرى. وهم أقوياء البنية، سوريو الملامح، يستطيعون تعبئة قوة محاربة من مائة وخمسين مقاتلاً – وقيل لي: ثلاثمئة – وهذه القوة المحاربة تبعث في نفوس أهل مَعَان ثقة تجعلهم يخفضون الخُوَّة التي يفرضها عليهم شيوخ القبائل المجاورة من الشَّـرَارَات والحُوَيْطَات وعنزة. وقد يرفضون تأديتها.

ويضيف في ص38: إن القبائل الرئيسة في جوار مَعان، التي يعمل الأهلون على حفظ صلات الصداقة بها، هي أولاً: الشَّـرَارَات المعتبرة السيدة الأصلية لمعان والجوف، ويعيش أكثرها في هذا الجزء من الصحراء وفي وادي السِّـرْحَان، وثانياً: الرُّوَلَة والنَّايف، بطنا عنزة، ثم بنو صَخْر قرب شَوْبَك والكَرَك، ثم الحُوَيْطَات وقبائل أخرى تعيش في المنحدرات الشـرقية من سلسلة الشـراة .
الرُّوَلَة هي القبيلة، والنَّايف كانوا ولا زالوا بيت الإمارة في قبيلة الرُّوَلَة، وهم من الشِّعْلان من عشيرة المُرْعِض من الرُّوَلَة. وفي أثناء رحلة والن كان أمير الرُّوَلَة هو الأمير فيصل بن نايف الشِّعْلان المتوفي عام 1280هـ/1864م.
وفي ص52 تحدث والن عن قبائل جنوب الأردن، وتحدث عن بعض الخلافات فيما بينها، ثم قال: وجميع هذه القبائل على عداوة مع عنزة ومع العُرْبَان الذين في الجانب الشـرقي من الجبال. فهي تهاجم عنزة حتى في عقر دارها. وفي مقامي بوادي دلاغة عند بني عمران كنت أرى دائماً فرساناً من عنزة متربصين في الجبال القريبة لينقضوا بين ساعة وأخرى على المقيمين في جوار نبع (بسطة). وقبل قدومي بقليل نشبت معركة بين الحُوَيْطَات والرُّوَلَة بسبب المرعى فقدت فيه أرواح وخيل كثيرة .
وفي ص60 قال: نادراً ما يجوب البدو صحراء سورية وذلك بسبب قحطها ويبابها الكاملين وإنْ أتوها فأيامهم فيها قصيرة. ويصادف – أحياناً – بعض من الشَّـرَارَات الذين يعيشون في وادي السِّـرْحَان، وهم في طريقهم إلى مَعَان وجبال الشـراة. وإلى الشمال منهم ينتشـر بنو صَخْر حتى الكَرَك. أمَّا في الأجزاء الجنوبية حيث تتسع الأودية وتزيد خصباً فأفخاذ عنزة كالفَقَرَا ووُلْد سليمان تضـرب خيامها – أحياناً – لبضعة أيام. اهـ.
وُلْد سليمان هم إحدى قبائل ضَنَا عبيد من ضَنَا بِشْـر من عنزة. وزعامتهم في أسـرة العُوَاجِي العريقة.
وعندما وصل الجوف، وهي مدينة دُوْمَة الـجَنْدَل، تحدث عن أحيائها، وذكر فيه أن سكان حي عَشْوَان من الرُّوَلَة، فقال في ص68: وسكان عَشْوَان أصلهم من الرُّوَلَة الرُّحَّل من قبيلة عنزة. اهـ.
الجوف اسم يطلقه الناس – فيما مضـى – على دُوْمَة الـجَنْدَل، والآن يطلق على المنطقة ككل. وفي هذا المقطع يثبت نسب حي عَشْوَان، وأنهم في الأصل من قبيلة الرُّوَلَة.
ومن ص77 – 84 تقريباً تحدث والن عن الأوضاع السياسية والدينية والتعليمية والمعيشية في منطقة الجوف، وتحدث عن الدعوة الإصلاحية بما نعتبره شهادة حق من رجل عاش في تلك الأيام فقال: إنّ الوهابيين متزمتون يُسمون أنفسهم بالموحِّدين، ويقولون إنّ الآخرين يشـركون بالله – تعالى – كائنات أدنى منه ويعتبرونها جديرة بأن يعبدها الإنسان. وهم لا يتخذون كلمة (وهابية) اسماً لهم لأنهم يعدونها إهانة. والذين يطلقون عليهم هذه اللفظة هم أهل البلاد العربية التركية، والوهابيون لا يؤلفون مذهباً خاصاً بهم بل يتبعون مذهب الإمام أحمد الحنبلي. وأمراء آل سعود لم يسكّوا نقوداً تحمل أسماءهم. اهـ.
كلامه فيه بعض التحامل على الدعوة الإصلاحية السلفية!! دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله؛ لكنه قال كلمة الحق، وهذا شـيء جميل نفرح به.
وفي نفس السياق السابق تحدث والن عن الأوضاع التعليمية في منطقة الجوف فقال: إنّ الأولاد هنا – كما في جميع القرى الوهابية – يلقنون منذ الصغر أصول الدين وشعائره. والكتابة والقراءة منتشـرتان بينهم أكثر مما هي عليه في المدن العربية والتركية. اهـ.
هكذا قال!! وأنا اعتبر ذلك من باب المبالغة في الثناء لا أكثر. ولم تنتشـر الكتابة والقراءة بل والتعليم بمعناه العام في منطقة الجوف إلا في عهد الملك عبدالعزيز – رحمه الله – فما بعده، إلى هذا العهد الذي افتتحت فيه جامعة الجوف عام 1424هـ/2003م.
ثم تحدث عن مكارم الأخلاق التي يتحلى بها أهل الجوف فقال: ومع أن المعروف عن أهل الجوف أن طباعهم قاسية وأنهم يميلون للتشاكس فالجميع يشهدون لهم بأنهم مضاييف كرماء، ومهذبون مع الغريب. وأعلن، فيما يتعلق بي شخصياً، إني لم ألق، حتى بين أكرم عرب الصحراء، قبيلة تفوق أهل الجوف في أفضالهم. ولم يستقبلني أحد أحسن من استقبالهم إيّاي. اهـ.
نعم، وهذه هي أخلاق أهل الجوف بادية وحاضـرة، وهم ينقلونها إلى من بعدهم ولله الحمد.
وفي ص83 – 84 قال: ويؤدي سكان الجوف الزكاة لزعيم شَمَّر فيتصـرف بها على مشيئته. غير أن هذه التأدية لا تدرأ عنهم هجمات رُحَّل الجوار. وكل حي (سوق) يدفع (خُوَّة) لشيخ، أو لعدة شيوخ من البدو. والـخُوَّة في الغالب كمية معينة من التمر. والقبائل الرئيسة التي تستوفيها هي الشَّـرَارَات والرُّوَلَة من عنزة – وتسمى أيضاً جَلاس – والنَّايف والشِّعْلان، وهما بطنان من الرُّوَلَة عظيمان، يعيشان أكثر أيام السنة في حوران. والبدو يعرفون حوران باسم (نقرة الشام).
ولكنهم في الشتاء – أي الرُّوَلَة – يتوزعون في أراضـي النفود الواسعة باحثين عن المراعي لقطعان جِمالهم في جوار الجوف وبئر الشَّقِيْق. وأحياناً يذهبون جنوباً إلى القَصِيْم، وإلى الشمال الشـرقي، وإلى الشـرق ؛ حتى يصلوا إلى الجزيرة في تخوم العراق حيث يلتقون مع الفروع الأخرى لقبيلتهم( ). اهـ. أي عنـزة.
جاء في كلام المؤلف: الصيف. وهذا غير دقيق، والصواب هو في الشتاء تنتشـر الرُّوَلَة في النفود، وهو ما يُسمى برمل عالج. لأنهم في الصيف يكونون في بلاد الشام، وفي الشتاء ينتشـرون في الجوف وفي النفود وهذا عادتهم في كل سنة. وإذا مكث منهم أحد في الجوف فهم لا يبتعدون عن الآبار؛ نظراً لحاجتهم للماء في الصيف كما هو معروف.
وفي ص 89 وصف بلدتي الطُّوَيْر وقَارَا فقال: وإلى الشمال الشـرقي في الجوف، وعلى ثماني ساعات منها، محلة صغيرة تدعى: قصـر الطّوَيْر، تسكنها حوالي عشـر أسـر. وبين المحلتين موضع ثالث يقال له: قَارَا. تقطنه ما يقرب من عشـرين أسـرة أصلها من الدِّغْمِي من عنزة، وفيها حصن قديم يعرف بالمشـرفة.
الآن الطُّوَيْر وقَارَا يعتبران من أحياء مدينة سكاكا بعد اتصال العمران بينها.
والدِّغْمِي هم بيت المشيخة في عشيرة الدُّغْمَان من الرُّوَلَة. وهو من أقدم مشايخ قبيلة عنـزة وقبيلة الرُّوَلَة على وجه الخصوص، إذ تعود مشيخته إلى أربعة قرون قد مضت وقد تزيد، وهو ثالث ثلاثة في قبيلة الرُّوَلَة من حيث الأقدمية: القَعْقَاع وابن نُصَيْر وابن دِغْمِي .
وفي ص104 قال: سـرنا ثلاث عشـرة ساعة وثلاثة أرباع الساعة في اتجاه جنوبي – جنوبي شـرقي حتى أتينا إلى آبار الشَّقِيْق الست، وهي في سهل تربته مالحة صلبة على عكس الرمل الناعم الذي تتكوّن منه الأراضـي المحيطة بهذا السهل. وعمق الآبار من عشـرين إلى خمس وعشـرين قامة، وقعرها أحواض واسعة تنتهي عند السطح بفتحات، قطر الواحد منها حوالي الياردة، وهي مبنية بحجارة كبيرة ومهارة وعناية فائقة، وعلى الفوهة لاحظت رسوماً مختلفة لصلبان ولأشكال قد تكون حروفاً. والرسوم ممحوّة غير واضحة. والماء عذب جيد ومتوافر طوال السنة. وهذه هي الآبار الوحيدة بين الجوف ونَجْد، تقع في أرض غنية بمراعيها، حتى في أواخر فصل الصيف. ولها أهمية كبيرة لأنها صلة الوصل بين سورية ونَجْد، ولأن العرب الرُّحَّل يقعون فيها على المرعى في جميع الفصول. وطوال الشهرين الأخيرين من هذا الصيف نزلت على الآبار مئات من أسـر الرُّوَلَة وشَمَّر والشَّـرَارَات إذ وجدت مراعي تكفي إبلها العديدة. ولما بدأت الآبار تشحّ اضطرت هذه الأسـر إلى مغادرة المكان فرحلت قبل يومين من وصولنا.
والمسافة بين الجوف والشَّقِيْق (12) ساعة إلى (14) قطعناها في ما يقرب من عشـرين ساعة على جِمالنا الهزيلة.
آبار الشَّقِيْق: من مياه الرُّوَلَة، وهي للهَقْشَا من الدُّغْمَان، وما بعدها إلى وسط النفود الكبير تقريباً هو آخر حدود إمارة ابن شِعْلان.
تحدث والن عن بلدة (جُبَّة) بشـيء من التفصيل، وتحدث عن القبائل التي تأتيها فقال في ص110: ويأتي إلى هنا كثيرون من قبائل مختلفة، ولا سيما في موسم التمر. وفي أثناء إقامتي في جُبَّة بلغ عدد خيام البدو الرُّحَّل في السهل، وبين المنازل، أكثر من (150) خيمة جُلّهم من الرُّوَلَة وشَمَّر، وكان في العداد – أيضاً – أفراد من عنزة، وبِشْـر، والفَقَرَا، ومن الشَّـرَارَات والعَوَازِم الذين حالفوا شَمَّر. وحشود الرُّحَّل لا تفارق جُبَّة في جميع الفصول لأن في جوارها أخصب مراعي منطقة النفود، ولأنها المحلة الوحيدة التي فيها ماء بين هذه المراعي والشَّقِيْق. اهـ.
الرحَّالة في كتاباته لا يُدقق كثيراً، أو أن هذا حدود علمه، فهو يذكر الأسـرة ومباشـرة ينسبها إلى قبيلة عنزة، وما هناك مشكلة في هذا فهي في النهاية من عنزة لا شك؛ لكنه يذكر عنزة ومن ثم يذكر بعض القبائل على أنها تماثل عنزة وهي في الأصل من عنزة!! مثل قوله: وكان في العداد – أيضاً – أفراد من عنزة وبِشْـر والفَقَرَا. بينما بِشْـر أحد جذمي قبيلة عنزة، فقبيلة عنزة تتكون من ضَنَا بِشْـر ومن ضَنَا مُسْلِم. والفَقَرَا إحدى قبائل المَنَابِهَة من بني وَهَب من ضَنَا مُسْلِم من قبيلة عنزة الوائلية. فهي من عنزة ولا يمكن ان تذكر وكأنها قبائل مختلفة عن عنزة.
وفي ص120 قال: إن أرض النفود من أغنى مراعي بلاد العرب، لكن العرب لا يزورونها إلا في فصل الربيع فقط، طلباً لمياه الأمطار التي تتجمع في برك وأحواض. والماء قليل جداً في أجزائها الوسطى، لذا يندر أن تشاهد مضارب للبدو بين الشَّقِيْق وجُبَّة. أما الأجزاء الشمالية من وادي السِّـرْحَان ومنحدرات النفود الجنوبية المتاخمة لجبل شَمَّر فيزورها العديد من البدو طوال السنة.
وينزل الشَّـرَارَات والرُّوَلَة في الأجزاء الشمالية من وادي السِّـرْحَان، ويضـرب بِشْـر وشَمَّر في المنحدرات. وفي المنحدرات الشـرقية تتنقل شَمَّر والظِّفِيْر والمِنْتِفِق في الشتاء والربيع. أما في الصيف فيتجه البدو جميعاً إلى الأراضـي المزروعة، فشَمَّر إلى أراضيهم والآخرون نحو الفُرَات ودِجْلَة. اهـ.
وفي ص165 تحدث والن عن منطقة حائل وعن إمارة ابن رشيد فقال: أما المراعي الفسيحة والسهول الصحراوية الكبيرة التي تحيط بالمنطقة فتسكنها عنزة العدنانية، وتربطها أواصـر الأخوة الحميمة بشَمَّر، بدوهم وحضـرهم على السواء. ومع أنهم يؤدون الزكاة لكبير شيوخ شَمَّر، معترفين بسيادته، فإنهم من ناحية أخرى يحتفظون دائماً بحريتهم على أنهم بدو مستقلون. اهـ.
نعم، ولا زالت أقرب القبائل إلى عنزة هم شَمَّر، ويضاف إليهم قبيلة بني خالد الكبيرة والمعروفة، وقبيلة بِلي القُضَاعِيَّة العريقة.
ويلاحظ من سياق الكلام أن والن يعد ابن رشيد ويحسبه على قبيلة شَمَّر!! وهذا خطأ، فابن رشيد إمارة أتت بتعيين من آل سعود، وتحديداً الإمام فيصل بن تركي حيث كان في الأحساء عام 1249هـ/1833م وأتاه الخبر باغتيال والده فرجع إلى الرياض وقتل من قتله، وكان معه عبدالله بن رشيد فقال له الإمام فيصل: ماذا تريد؟ فقال: إمارة حائل. فعيّنه عليها أميراً. فكان تابعاً لآل سعود طوال حياته إلى أن نشب الخلاف بين أبناء الإمام فيصل بن تركي بعد وفاته على الحكم، وفي هذه الأثناء تولى الإمارة محمد بن عبدالله بن رشيد وهو الذي استقل بها، ثم التفت إلى آل سعود وقضـى على الدولة السعودية الثانية بمغادرة الإمام عبدالرحمن بن فيصل بن تركي الرياض عام 1309هـ/1892م.
وفي أثناء زيارة والن إلى الجزيرة العربية وتحديداً إلى حائل كانت إمارة ابن رشيد تابعة مطيعة لآل سعود، وكانت بعض قبائل عنزة الموجودة تتبع إدارياً لمنطقة حائل، فهم يؤدون الزكاة للحاكم الإداري المباشـر والذي بدوره يوصلها للحاكم العام وهم آل سعود. أما بعد أن استقلت إمارة ابن رشيد فلم تدفع عنزة له شيئاً من الزكاة بخلاف الحواضـر في المدن والقرى الذين استمروا في التبعية. وقد أشار إلى هذا بعض الرحَّالة الذين زاروا المنطقة بعد والن ومنهم دوتي سنة 1294هـ/1877م.
قبيلة الرُّوَلَة لم تدفع الزكاة لابن رشيد سواء يوم أن كان يمثل آل سعود أو بعد أن استقل لوحده، فالرُّوَلَة لم تعرف حاكماً غير ابن شِعْلان، فهو الذي كان يجمع منهم الزكاة و(الوَدِي)، وهي ضـريبة يجمعها ابن شِعْلان من جميع رعاياه سواء الرُّوَلَة أو غيرهم. فقد كان حاكماً مستقلاً تبدأ حدود إمارته من جنوب آبار الشقيق في وسط النفود الكبير إلى مدينة حمص، ومن نهر الفُرَات إلى ينابيع الزَّرْقَا بالقرب من عَمَّان عاصمة الأردن الآن. وهناك ضـريبة أخرى تسمى (الخُوَّة) تؤخذ من بعض المدن والقرى والعشائر التابعة للإمارة مقابل حمايتهم والذود عنهم.
ويضيف والن في ص165: وفيما قبيلة الرُّوَلَة العظيمة في حوران تهاجر عشائرها الواحدة بعد أختها إلى سورية .
قبيلة الرُّوَلَة تقضـي الشتاء في منطقة الجوف وما حوله، فإذا دخل الصيف ارتحلوا إلى بلاد الشام، فهم يطوون المراحل إلى أن يصلوا إليه. وكل عشيرة لها مسارها المعروف كل سنة، حيث من كثرتهم يصعب عليهم المسير الجماعي، إضافة إلى أن كل عشيرة فيها ما يكفيها من الفرسان والمقاتلين الذين يحمونها فهي ليست بحاجة إلى بقية العشائر. ومما يميز الرُّوَلَة أنهم تحت قيادة سياسية واحدة منذ عام 1100هـ/1689م تقريباً ممثلة في أسـرة الشِّعْلان الكريمة.
وفي ص169 تحدث والن عن الطرق في الجزيرة العربية، خاصة طرق الحج والتجارة والقبائل التي عليها فقال: والطريق من تَيْمَاء إلى خيبر والمدينة المنورة سهل، ومياهه كثيرة. وهو يخترق بقعة يصادف فيها في أكثر الأوقات بدو الفَقَرَا وبِشْـر. وليس هنالك على حد علمي بين سورية والأماكن الشـرقية من نَجْد أي اتصال مباشـر. والطريق المعقول سلوكه بينهما قد يكون من الدِّرْعِيَّـة عبر القَصِيْم وجبل شَمَّر والجوف؛ ولكنه لا يطرقه سوى من اضطرته إلى ذلك ظروف استثنائية.
ويأتي أحياناً عرب الرُّوَلَة من حوران إلى نَجْد في طلب المرعى فيمرون بالجوف أو بصحراء الدَّهْنَاء، إلى الشـرق من سكاكا، متجهين إلى القَصِيْم. والطريق من الدِّرْعِيَّـة إلى مصـر تمر عادة عبر القَصِيْم إلى جبل شَمَّر وتنعطف منه إلى الأخضـر أو تبوك في طريق الحج السوري.
ومع هذا كله يصعب الكلام على الطرق في بلاد العرب، ويصعب تحديد اتجاهاتها. فباستثناء دروب الحجاج الرئيسة ليس هناك طرق ثابتة في الصحراء. والجمل يستطيع السير على جميع الأتربة. والبدوي الجسور الذي يعرف أرضه وآبارها، والذي تعوّد مكاره العطش والجوع ينتقي طريقه من حيث شاء. اهـ.
وفي ص184 قام والن يصف الطريق الذي سلكه من حائل إلى الحجاز، وتحدث عن بلدة الـحَلَيْفَة والتي هي من ديار الرَّسَالِيْن من السَّبَعَة من عنزة فقال: وفي وسط السهل، إلى يسارنا، قرية صغيرة اسمها (الـحَلَيْفَة) فيها ثمانية منازل وبعض بساتين فقيرة من النخيل يملكها عرب عنزة. اهـ.
الـحَلَيْفَة الآن مدينة عامرة بالناس، تقع على طريق المدينة – حائل، وهي لعشيرة الرَّسَالِيْن من السَّبَعَة من عنزة، وكبيرها الشيخ ابن صَعَفَق من الرَّسَالِيْن. وبعد توحيد المملكة العربية السعودية على يد الملك عبدالعزيز رحمه الله – عام 1351هـ/1932م أصبحت الـحَلَيْفَة مفتوحة لجميع الناس كغيرها من المدن والقرى، حيث أصبح الوطن واحداً ولله الحمد.
وفي رحلته الثانية عام 1264هـ/1848م تحدث في ص216 عن الموالي المولَّدين فقال: ويجوز القول إن المتولِّدين أكثر كَدَّاً من البدو، أو إن اعتزازهم بأنفسهم في الأقل، لا يصل إلى عَدَّ الزراعة والعمل الشاق مذلَّة لهم. ولهذا السبب، ولأنهم يحتاجون إلى بأس البدو كي يدرأوا أخطار البادية عنهم، يفضلون سكنى القُرى حيث يتفقون مع البدو للعناية بالنخيل، أو لتدبير رزقهم بوسيلة أخرى. وقَلَّ أن بلغ واحدهم جاهاً أو غنى لأن أسيادهم الذين يحتقرونهم يجبون منهم جبواً كثيراً، أو لأنهم قد يكونون، هم، مُبذّرين. ولبخس ثمن العبيد في الحجاز تكتظ بهم المدن والقُرى. وسمعت أن الجزء الأكبر من جنائن النخيل الواسعة المثمرة التي يملكها عرب الفَقَرَا من قبيلة عنزة، يزرعه المتولِّدون ويعنون به، وثلث سكان تبوك منهم، يعملون مثل سواهم من السكان في فلاحة الأرض ومتاجرة البدو والحجاج الذين يتوقفون هناك يوماً أو يومين في طريقهم إلى مكَّة ورجوعهم منها. اهـ.
في أثناء بحوثي وجدت كلاماً لمؤلف مجهول سبق والن فيما ذكره. فقال هذا المؤلف المجهول في حدود سنة 1223هـ/1808م( ): وأما أهل خيبر فساكن البلد عبيد. وأهل ملك البلد بدو. وأما أسماؤهم فالاَيْدَا والفَقِيْر. يحضـرون إليها بالقيظ. ويخرجون بالشتاء لناحية البرية. وحواليها من المدائن العُلا. وأما خيبر فهي بلد وباء: أوجاع وأسقام، وبلاد نخل. اهـ.
ومن ص225 إلى ص228 تحدث والن عن بعض القبائل التي تسكن بين خيبر والجوف وتبوك وشمال غرب الجزيرة العربية فقال: وجميع هذه القبائل من القحطانيين الذين نزحوا عن اليمن، وأخذوا تدريجياً يبعدون العدنانية الإسماعيلية، السكان الأولين في المنطقة، وحلّوا محلهم. إلا أن قبائل عنزة العدنانية بدأت الآن تدفع هؤلاء القحطانية إلى النزوح، بدورهم، دفعة بعد أخرى إلى داخل الجبال وتخوم الصحراء. اهـ.
هذا حال الدنيا تزاحم وتدافع. لكن ومع وجود هذه النصوص التاريخية التي تؤكد أن عنزة قد دفعت وأجلت بعض القبائل من ديارها؛ لكنها لا تتبجح بذلك في الكتب والمجالس والمنتديات القبلية كما تفعل ذلك بعض القبائل التي تزوّر التاريخ، وتقول إنها قد أجلت عنزة من ديارها؛ بينما لم يذكر ذلك أي مؤلف أو شاعر أو مرجع يعتمد عليه!! فقط هم المصدر والمرجع؟!! بل الذي ذكر بخلاف قولهم!! فإن عنزة الذي أخرجها من ديارها هو الجوع والقحط، ذكر ذلك كبار مؤرخي نَجْد.
وقبيلة عنزة عندما خرجت من بعض ديارها كان خروجها تدريجياً، والمغلوب لايكون خروجه بهذه الطريقة؛ فضلاً عن هذا أن عنزة لا زالت في بعض ديارها القديمة كخيبر والعُلا ونَجْد. فدعوى أن عنزة قد غلبت على أمرها فهاجرت دعوى باطلة جملة وتفصيلا. نعم غلبهم الجوع والقحط الذي جعلهم يتركون بعض ديارهم، وقد فعل مثل فعلهم الكثير، مثل شَمَّر والظِّفِيْر وبني خالد وبعض حاضـرة نَجْد، إذ إن بعضهم لم يرجع إلا في العهد السعودي الأخير، مثل أهل مدينة الزُّبَيْر الذين هم في الأصل من نَجْد كما لا يخفى على القارئ المتابع.
وفي ص236 تحدث عن بعض القبائل التي تشبه قبيلة عنزة من حيث اللهجة والملامح الـخَلْقِيَّة والـخُلُقِيَّة وغير ذلك، فقال: بنو بِلي هم أول قبيلة من هذه البقاع تشبه لهجتها نطق سكان نَجْد، ونطق بدو عنزة الذي يختلف كثيراً عن لهجة المدن ولهجة العرب الأكثر اختلاطاً بسواهم، ذلك أنهم يكثرون التنوين واستعمال بعض الصيغ الصـرفية والنحوية والتعابير القديمة، ولا سيما لفظهم القاف والكاف لفظاً غريباً يسميه النحويون بالكشكشة.
ويقول بنو بِلي إنهم اعتنقوا الوهابية مختارين، دليلاً على إيمانهم. وهم يؤدون الزكاة، وبانتظام يقيمون الصلوات الخمس والفرائض والشعائر الخاصة بالمذهب، إلا أنهم فيما عدا ذلك يجهلون تعاليم الإسلام الأساسية جهلاً مطبقاً، ولا يكترثون – مثل سواهم من البدو – بالفقه ولشـرع الإسلاميين.
يقال إن بني بِلي قحطانيون من اليمن. ولكني أرى ملامحهم أقرب إلى بني عنزة وإلى القبائل السورية العدنانية منها إلى الحُوَيْطَات وعرب غربي شبه الجزيرة العربية ومصـر. والكثيرون منهم ذوو بشـرة فاتحة اللون، وهذا أمر نادر جداً في الصحراء، أظن أنه يقتصـر على القبائل الشمالية فقط. ولم تكن هذه الملامح وتلك اللهجة وحدها العامل الذي دفعني إلى التفكير بعنزة، بل دفعتني إلى ذلك ضيافتهم السخية التي تميّز بدو الداخل عن جيرانهم المقيمين عند حافة الصحراء. وتبين لي كذلك أنهم مرحون وعندهم الكثير من حضور الذهن كعرب الشمال البعيدين عن عادات الوهابية الصارمة وعن تقشفهم.
ويقول القلقشندي: بنو بلي بطن من قُضَاعَة من القحطانية. اهـ.
قبيلة عنزة تمثل نقطة التقاء لقبيلة بِلي وقبيلة شَمَّر وقبيلة بني خالد، فهذه القبائل الثلاث ترتبط بقبيلة عنزة برابطة المحبة والجوار والنسب، وليس هذا تقليلاً من شأن القبائل الأخرى، لكن هذه القبائل الثلاث هي الأقرب إلى عنزة، حتى أن هذا الرحَّالة قد لاحظ تشابه قبيلة بِلي بقبيلة عنزة من حيث اللهجة والصفات الـخَلْقِيَّة والـخُلُقِيَّة من كرم ونخوة وشهامة وتمسك بمكارم الأخلاق. كيف لا وقبيلة بِلي قبيلة قُضَاعِيَّة قحطانية عريقة لا شك.
وتحدث والن في ص246 عن الدعوة الإصلاحية فقال: ويذهب فريق من الكُتَّاب العصـريين (1264هـ/1848م) إلى أن الوهابيين قد اعتنقوا المذهب الحنفي. ويروي البعض الآخر أنهم وضعوا مذهبا خاصاً بهم يؤلف طائفة مستقلة. والروايتان لا أساس لهما من الصحة. فالوهابيون مصلحون فقط، ويتبعون المذهب الحنبلي. اهـ.
وهذه شهادة أخرى من رجل عاصـر الدعوة الإصلاحية السلفيَّة، وقال كلمته بكل تجرد ومصداقية. وهذا فيه دليل على متابعة الناس لهذه الدعوة الإصلاحية من البدايات، ولم تخلو هذه المتابعة – غالباً – من الظلم والكذب والشائعات التي نفاها وفنَّدها هذا الرحَّالة نفسه.
وتحدث والن في ص248 عن مدينة تَيْمَاء وما فيها وما حولها فقال: إن أكثر البدو المقيمين في جوار تَيْمَاء من قبيلة عنزة. وأعظم بطونها: الفَقَرَا ووُلْد علي ووُلْد سليمان والبِشْـر. ويقيم الفَقَرَا بين الحِجْر وتبوك وخيبر وتَيْمَاء، وفخذهم الرئيسـي بنو وَهَب. ويقيم وُلْد علي ووُلْد سليمان، عادة، في الأجزاء الجنوبية من النفود إلى الشرق من تَيْمَاء. أما البِشْـر، والعُوَاجِي فخذهم الرئيس، فمنتشـرون في النفود، من هُنا وشـرقاً حتى القَصِيْم في الأراضـي المغطاة بالحصـى التي تلي النفود. اهـ.
القبائل التي حول تَيْمَاء من عنزة هم: وُلْد سليمان والفَقَرَا ووُلْد علي. والعُوَاجِي هو بيت المشيخة في قبيلة وُلْد سليمان.
ويضيف في نفس السياق: انطلقت مع العُوَاجِي من البِشْـر كان راجعاً إلى موطنه، بعد سفره من حائل إلى مصـر دليلاً لجماعة تقود عشـرين حصاناً لعباس باشا، وعلى بعد ساعة إلى الجنوب من تَيْمَاء مررنا بقمة (غنيم) اليتيمة إلى يميننا ودخلنا بقعة منبسطة اسمها السنانية. وبعد سير طال خمس عشـرة ساعة بلا توقف في هذه البقعة، وفي أرض (الخولة) التي هي امتداد لها، أتينا مضارب الفَقَرَا، وعددها (200) خيمة ونيّف نصبت على سفح تلة منعزلة من صخور رملية اسمها جبل (بِرْد)، وكان أكثر سيرنا ليلاً. اهـ.
عباس باشا الأول بن طوسون بن محمد علي، ثالث الولاة من أسـرة محمد علي بمصـر. ولد بجُدَّة، حين كان أبوه حاكمها، سنة 1228هـ/1813م وتولى حكم مصـر بعد وفاة عمه إبراهيم في أواخر عام 1264هـ/1848م، قُتل غيلة سنة 1270هـ/1854م.
والعُوَاجِي المذكور هو أحد أفراد الأسـرة الكريمة بيت المشيخة في قبيلة وُلْد سليمان، ذهب معهم كدليل إلى مصـر. والقصة باختصار هي: أن الإمام فيصل بن تركي بن عبدالله آل سعود أخذ إلى مصـر ووضع تحت الإقامة الجبرية، وفي أثناء وجوده هناك أعجب به الأمير عباس باشا فسعى في إخراجه من مصـر وساعده على الهرب، فعاد الإمام فيصل إلى الرياض، ومن باب رد المعروف أرسل مجموعة من الخيل الأصيلة إلى الأمير عباس، فسأل ما الذي يميزها عن غيرها؟! فقالوا: هي أصيلة. قال: وكيف هي أصيلة؟! قالوا: معروفة أنسابها. فأمر بتشكيل لجنة لتسجيل أنساب الخيل العربية الأصيلة، وجلب ما يستطيعون منها إليه.
ذهبت اللجنة إلى الإمام فيصل بن تركي فقدم لهم ما يستطيع تقديمه. وأرسلهم إلى عنزة، وتحديداً إلى سميّه الأمير فيصل بن نايف الشِّعْلان لمعرفته بأنساب الخيل، فجمع لهم الأمير فيصل الشِّعْلان الرُّوَلَة العارفين بأنساب الخيل، وسجّلت اللجنة كل ما حصلوا عليه من معلومات، وأرسل للأمير عباس باشا بعض الخيل كهدية خاصة له، ومنها نشأت العلاقة بينهما.
تروي جامعة كتاب: مخطوطة عباس باشا. أن عباساً قد تشاجر مع عمه إبراهيم باشا حاكم مصـر، فسافر إلى بلاد العرب، وبحكم العلاقة التي بينه وبين الأمير فيصل الشِّعْلان؛ فقد حَلَّ ضيفاً عليه لمدة سنتين سنة 1263هـ/1847م، وسنة 1264هـ/1848م، حتى موت إبراهيم باشا أواخر سنة 1264هـ حيث تولى عباس الحكم بعد عمه( ).
وعندما ترك عباس باشا الرُّوَلَة عام 1264هـ/1848م وعاد إلى مصـر، أخذ معه الشيخ حَمَد بن نايف الشِّعْلان وبعض الرُّوَلَة، فأمضوا هناك في مصـر بعض الوقت، لكنهم اشتاقوا إلى الرُّوَلَة، فاستأذنوا من عباس باشا، فأذن لهم بعد أن حملهم بالهدايا، ومنها أحد مواليه، ويدعى مُرْجَان، وهو جد أسـرة المرجان الموجودة الآن بالرُّوَلَة. عاد الوفد، فلما وصلوا إلى فلسطين توفي الشيخ حَمَد بن نايف الشِّعْلان، ودفن هناك رحمه الله.
وقد أرسل عبَّاس باشا الأول ابنه الأمير محمد صدِّيق إلى الرُّوَلَة ليتدرب على الفروسية وفنونها، اقتداء بالأمويين، إلا أنه توفي عندهم في أثناء تواجدهم في بلاد الشام، فدفنوه في بُصْـرَى عام 1269هـ/1853م رحمه الله( ).
وقال والن وفي نفس السياق السابق أيضاً: قضينا اليوم التالي في خيام الفَقَرَا. وفي المساء لحقت بنا جماعة كان ابن سعود قد أرسلهم في أواخر السنة الماضية في خيل إلى الخديوي عباس باشا وهم الآن في طريق العودة إلى الرياض مقام زعيمهم، ومعهم واحد من عبيد باشا مصـر أرسله مولاه لشـراء خيول جديدة من نَجْد. اهـ.

مقالات ذات صلة

عنزة الوائلية في رحلات بوركهارت

فريق التحرير

الوائليون في رحلة جوارماني من القُدْس إلى القَصِيْم

فريق التحرير

ما ذكره الرحالة شارل هوبير عن قبيلة عنزة الوائلية

فريق التحرير

حذف التعليق