مقالات

الرد على البدراني وكتاب (خيبر في القرن الثالث عشر الهجري)

صدر للأخ الباحث: فايز بن موسى البدراني كتابه المعنون (خيبر في القرن الثالث عشر الهجري) 2015م، ويأتي هذا الكتاب – وفق الباحث- لسد احتياج المكتبة العربية لمثل هذا النوع من الدراسات عن هذه الواحة الهامة في التاريخ العربي والإسلامي ،بيد انني وقفت على جملة من الملاحظات والاخطاء التي وقع فيها الباحث لعلنا نضيف الى ماشمله المبحث (الذي نعتبره جيد بشكل عام) لعلنا نضيف عليه بعض الضوء حول خيبر.. البلدة الصغيرة حجما والكبيرة اسماً في التاريخ.
ثمة امر رئيسي في هذه الملاحظات، تمثل في محاولة الأخ الباحث مراعاة الظروف المعاصرة والانطباعات السلبية التي قد تنتج عن الدراسة الموضوعية حول تاريخ يرتبط بأقوام معاصرين ذوي صلة بتاريخ هذه المنطقة، لاسيما ان الفترة التي اختار الباحث تغطيتها كانت قريبة زمنياً لهذا العصر الذي نعيش فيه ،ونحن نعلم كيف تقيد مثل هذه الأمور موضوعية الباحث وتضعه بين مطرقة الموضوعية وسندان المجاملة ،ان هذه الأمور لاتقتصر ذلك على مبحث حول بلدة خيبر بل ان هذا دارج عن كل المهتمين والباحثين في الاجتماعيات والعلوم الإنسانية كافة .
رغم ذلك فاننا نزعم ان الباحث كان باستطاعته زيادة جرعة الموضوعية دون الاقلال او حتى الإيحاء بأن ثمة انتقاصاً لاي فئة معاصرة مرتبطة بتاريخ البلدة .
يمكنني الزعم من جهة أخرى بأن هذا المقال ليس انتقادا للمبحث بقدر ماهو استكمال لبعض النواقص ، كما سنلقي الضوء على معايير ومنهجية الباحث فايز بن موسى البدراني ومقارنتها بمنهجيته في كتب أخرى للباحث نفسه ظهر من خلالها تناقض هذه المعايير !

سكان خيبر ذوي البشرة السمراء
لقد فات على الباحث تحديد مسألة سكان الواحات السمر ،وهي الظاهرة المنتشرة في الجزيرة العربية عموماً ، لقد اكتفى بتقسيم العصور التي مرت على خيبر وفق التاريخ الإسلامي( صدر الإسلام-الخلفاء الراشدون-والعصرين الاموي والعباسي) دون ان يعرج او يكتب تفاصيل عن دور الافارقة التاريخي في الزراعة ، وهذا الامر لم يكن في خيبر فحسب بل في بلدان كثيرة منها (بيشة ووادي الدواسر والعلا والاحساء والعراق وكثير من بلدان العارض جنوب نجد) ،وكان بدء الاعتماد على الافارقة ربما تم فيما الحقبة التي تلت اجلاء اليهود والنصارى الى الشام والعراق فتم استبدالهم بالمهاجرين المسلمين من افريقيا لقدرتهم على القيام بأعباء الزراعة وتحمل الإقامة في القرى الكثيرة البرك والمياه ،تلك التي لايستطيع أبناء الصحراء الإقامة فيها نظرا لعدم تحمل أجسادهم الامراض الوبائية.
لقد نشأ مايشبه العقد الاجتماعي بين العرب والمزارعين الافارقة، بيد انه مع تقادم الأجيال شعر الافارقة بالضيم والاجحاف، فقاموا بثورتهم الشهيرة في جزيرة العرب (ثورة الزنج) سنة 255ه، ورغم ان العرب-وبصعوبة بالغة-انتصرو عسكرياً بقيادة الخليفة العباسي الموفق الا ان الواضح أن المزارعين الافارقة تمكنو من انتزاع بعض حقوقهم ،واصبح المزارع الافريقي في قريته اكثر حرية رغم ان ملكية الأرض لم تؤول اليه يوماً ، لكنهم على كل حال نالوا شروطاً افضل لاعمالهم.لابل أصبحت مشاكلهم ومعاناتهم ان وجدت فهي ضمن المشاكل العامة التي لايسلم منها احد من سكان الجزيرة العربية عامة ( حروب وقلاقل ومجاعات الخ).
ماسبق يلقى الضوء على الجذور التاريخية لسكان خيبر ،ومثيلاتها من البلدان العربية التي يغلب اللون الأسمر فيها على السكان ،كان على الباحث من وجهة نظرنا ان يركز على هذه النقطة ويعطيها ماتستحقه وخاصة مقارنة خيبر بالتقاليد السائدة في المنطقة والبلدان المشابهة لها.
يهود خيبر
ذكر الباحث اجلاء اليهود عن خيبر في عهد عمر بن الخطاب ،الا انه وقف عند نصوص تاريخية لرحالة عرب ومستشرقين اشارت الى وجود (اليهود) في قرون تالية حتى بعد جلاءهم ،وقد اهتم الباحث بهذه المسألة الى الحد الذي جعله يقف عندها ـ يقول في ص62 من الكتاب مانصه الرد البدراني وكتاب ولعله من المهم الوقوف عند مسألة اجلاء اليهود في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومحاولة الإجابة على السؤال الذي يُثار من حين لآخر وهو:هل بقي في خيبر احد من اليهود،ام جرى اجلاءهم بالكامل ؟)أ.هـ
وانكر الباحث البدراني وجود بقية لليهود في البلدة ،ثم عرج على نقد النصوص التي ذكرها مؤلفون في قرون تالية لعهد عمر بن الخطاب الذي حدث فيه الاجلاء ،وهذه النصوص تفيد بوجود اليهود او وجود بقية لهم في خيبر ،ومنها نص ابن زنجويه المتوفى سنة 251هـ ،حيث علق ابن زنجويه على حديث اتفاق الرسول صلى الله عليه وسلم مع يهود خيبر،وكان تعليقه يوحي بوجود اليهود في زمن ابن زنجويه،ثم قدم الباحث فايز البدراني نصاً للجغرافي الحسن الهمداني المتوفى سنة 360هـ(على قول المؤلف)،وهذا النص من كتاب (صفة جزيرة العرب) ويفيد بان سكان خيبر يهود وموال وخليطي عرب ، بيد أن المؤلف رد نص الهمداني بحجة انه جهل او ربما لم يزر خيبر ،وانه نقل رواية عير مؤكدة ،ثم عضد رأيه بكلام مناقض للهمداني من قبل الشيخ حمد الجاسر في ص63 من المبحث ،ونحن اذ ننقل ماذكره الباحث البدراني ،ونفيه لنصوص الهمداني وابن زنجويه فاننا نبدي الملاحظات التالية :
1-نتفق مع المؤلف تمام الاتفاق على اجلاء اليهود تماماً، وحتى ان بقي منهم أحد فربما أسلم ودخل بالمسلمين وضاعت يهوديته وجهلت احواله.
2-لجوء الباحث فايز البدراني لتغيير حيثياته ومعاييره لرد نصوص تفيد باستمرار التواجد اليهودي في خيبر،ناقض فيها الباحث نفسه لابل ناقض الشيخ الجاسر رحمه الله الذي سلك ذات المسلك،فالباحثين(البدراني والجاسر) يردان نص صفة جزيرة العرب بدعوى ان الهمداني لم يصل الى خيبر او يزرها، بينما صادقا على نص نسب للهمداني بشكل غير مؤكد يفيد ان علاقة قبيلة عنزة بخيبر بدأت حين انتقلت القبيلة الوائلية الى البلدة من المدينة المنورة ، وفي رأينا ان قبول المؤلف لنص مبهم للهمداني يجعله تلقائيا يقبل بنصه المحكم عن وجود وبقاء يهود في خيبر حتى بعد العهد العمري !
3-في كتاب آخر للمؤلف البدراني وهو (نسب آل سعود) أورد المؤلف نصا يتيما لابن بطوطة الرحالة حول عرب العارض في وقته (القرن الثامن الهجري)،وانه يؤكد أن اهل اليمامة خلائط اكثرهم من بني حنيفة ،واعتبر المؤلف هذا دليلا على بقاء بني حنيفة دون انقطاع ،ولم يتعامل مع نصوص بقاء اليهود في خيبر (عند الهمداني وغيره) بالمعيار والحيثية ذاتها ، فيرد الهمداني ويثبت ابن بطوطة!(كيل بمكيالين)
وعلى كل حال فان النصوص الواردة ببقاء يهود في خيبر مردودة لابحيثيات البدراني المتناقضة- بل مردودة لأسباب كثيرة جدا ،لعل ابرزها :
أولا-ميل الرحالة لربط المنطقة بالشعب او القبيلة التي اشتهرت بها ،وقد اشتهرت خيبر باليهود في صدر الإسلام،والاحداث والمعارك بين المسلمين وبينهم طافحة في التاريح الإسلامي لدى العامة والخاصة ،كذلك اليمامة كان لها (سيناريو) مشابه جدا لما حدث بخيبر،ذلك حول ادعاء مسيلمة الكذاب للنبوة ومتابعة بني حنيفة له واشتهارهم بعدواة المسلمين عموما ،إضافة الى ضرواة المعارك وكونها مفصبية في التاريخ الاسلامي. وهذا ما جعل الهمداني يفترض بقاء اليهود ضمن الخلائط في خيبر ،وايضا جعل ابن بطوطة يعتقد ان اهل اليمامة ربما لازال منهم قوم من بني حنيفة!
ثانيا-كون سكان خيبر من ذوي البشرة السمراء كفيل بنفي يهوديتهم،فلايهود سمر البشرة الا يهود الفلاشا في الحبشة ،وهولاء مختلفون تماما عن الخيابرة .
ثالثا- لو افترضنا وكما اوضحنا من قبل- بقاء احد من اليهود فلامجال الا القول انهم اسلموا واندرجوا في عامة المسلمين وجهلت احوالهم ،لان اهل خيبر جميعهم مسلمون(طوال القرون الماضية) ولا احد منهم يدعي او ادعى اليهودية او النسب الإسرائيلي يوما ما !
علاقة القبائل العربية في خيبر (عنزة)
وقع الباحث في تخبطات نتيجة عدم تمهيده الجيد ورؤيته الشاملة التي لخصنا فيها وضع خيبر الديموغرافي في النقطة السابقة ،فهو لم يفهم سر ارتباط خيبر بالقبائل العربية ،وفي الوقت الذي لم يتجاهل صلة المدينة بقبيلة عنزة الوائلية الا اننا لاحظنا جملة ملاحظات :
حاول الكاتب ( في عدة صفحات) التقليل من شان قبيلة عنزة في خيبر وعلاقتها بالمنطقة ،الا انه ناقض نفسه وعاد كرر في اكثر من موضع ان لهذه القبيلة الشأن الأكبر في البلدة باعتبار ملكية افرادها لبساتين البلدة دون السكان المقيمين الذين اقتصر دورهم على رعاية أملاك ارباب العمل من القبيلة. لكن الكاتب صاغ العلاقة لتبدو وفق نظره- شراكة بين طرفين متكافئين ،وهو خلاف الواقع تماماً ،وضرب الكاتب البدراني بعرض الحائط عشرات الشهادات للمستشرقين والمؤرخين والتقارير والوثائق التي تؤكد ان الخيابرة كانوا في الواقع يعيشون في اقطاعية تعود ملكيتها ارضاً ونخيلاً لافراد قبيلة عنزة الوائلية وشيوخها ،وكانت اقامتهم في البلدة هي ترخيص ارباب العمل لهم كما هو متعارف عليه في الأنظمة الاقطاعية المعروفة في التاريخ.
وقد التمس للأخ الباحث البدراني بعض العذر ،لانه قد يكون قد وقع في التناقض بين الوثائق التي اعتبره قد قرأها بسطحية ،وبين الطبيعة الدقيقة لعلاقة القبيلة الوائلية في الواحة !
فمالم يتفهمه البدراني بشكل جيد ان البلدة ليست ضمن ديار قبيلة عنزة ابتداء ،ولم يكونوا من القبائل المحيطة بها ،نستطيع تشبيه هذا الوضع لمجموعة من الأقارب يمتلكون عقارات في دولة اجنبية معاصرة ويخصصون من يحرسها من سكان تلك الدولة ،وربما وضعوا لهم سفراء من قبلهم لمراقبة ملكياتهم وضمان حمايتها ،فخيبر ليست ديارا بقدر ماهي ملكيات مخصصة ! ،اما القبائل المعاصرة القريبة والمحيطة لخيبر فأكثرهم من :بني رشيد،وجهينة وحرب وهم قبائل المدينة المنورة ،واقتصر التواجد الوائلي على الحماية للأملاك الخاصة الواقعة ضمن نطاق البلدة ،وفي الفترة التي شملتها الدراسة (القرن الثالث عشر) كانت هناك اضطرابات سياسية وخلاف لتبعية خيبر بين حايل ومكة وآل سعود،وخضوع عنزة المتواجدة في نجد لحكم حايل (ابن رشيد) أواسط القرن الثالث عشر ،وبالتالي كان هناك وجود وائلي ملحوظ حولالبلدة لمنع استغلال الموالي للاضطرابات،لكن الديار التي تقطن فيها عنزة كانت بعيدة نسبياً ، سواء شمالا الى تيماء والعلا والنفود ،او شرقا نحو القصيم التي تطل حرة خيبر عليها .
وفي عهد البطل المؤسس الملك عبد العزيز رحمه الله وقراره التاريخي بتأسيس هجر الاخوان العسكرية ،قرر تأسيس هجرة خيبر بقيادة الشيخ فرحان الايداء احد ابرز شيخ القبيلة ،واتخذ خيبر مقرا لقيادته بتوجيه من الملك المؤسس ،فازداد التواجد من افراد القبيلة في البلدة والقرى المحيطة عن السابق ،مما جعل خيبر تدخل في الخلاف الحدودي بين نجد والحجاز في حقبة المملكة العربية الحجازية.
مغالطات
من ابرز النصوص التي أفادت ووصفت طبيعة الدور المحوري لقبيلة عنزة في المنطقة هي نصوص الكاتب السويسري بوركهارد ،ومخطوطة (كيف كان ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب) منسوبة لعالم نجدي (وفق البدراني) تفيد بالملكية المطلقة للبدو (قبيلة عنزة) لنخيل الواحة ،وان السكان المحليين موالي لهم،بيد أن للباحث البدراني رأياً آخر،حيث علق قائلا ص283 : ( ينبغي ملاحظة ان كل من بوركهارد،وصاحب المخطوطة النجدية لم يصلا الى خيبر ! ،وانما اعتمدا على الرواية الشفهية عن بعض الافراد من غير حاضرة خيبر ،مما ينتج عنه بعض التحامل على سكان القرى وبخاصة من يمارسون الفلاحة!) أ.هـ
ونقول: ان البدراني بحديثه في النص اعلاه وقع بجملة أخطاء، فلم يقتصر ذكر هذه الحقيقة على هذين المؤلفين (بوركهارد ) و (والنجدي) ،بل كل من تحدث عن قبيلة عنزة الوائلية او خيبر وفي عصور متفاوتة ذكروا الحقيقة ذاتها، فهل كل هولاء متحاملين على اهل القرى؟! ثم اين هذا التحامل المزعوم؟! هل في وصف مؤلف لسكان او بلدة أي تحامل عليهم؟ هل كانت هناك عبارات شخصية الطابع ،او جارحة ، مرت على كل هولاء حتى يتحاملون على خيبر واهل خيبر ؟!
ثم ان الجزم ان هولاء لم يصلوا الى خيبر وانهم ناقلين من رواة آخرين هي سقطة علمية للمؤلف البدراني ، فلا بوركهارد ،ولا صاحب المخطوطة ولاحتى غيرهم من تحدث بذات الحقيقة ذكروا انهم نقلوها من فلان او غيره حتى يتصور المؤلف البدراني ويجزم بعدم وجودهم في خيبر ومن ثم تحاملهم !! بل ان الأرجح ان بوركهارد زار المنطقة ،لانه تجول في الحجاز كثيرا ويعتبر من ادق المستشرقين ،ومن المستحيل ان يتوافق بوركهارد مع علماء في نجد ومستشرقين آخرين ذكروا نصا ماذكره بوركهارد عن كون خيبر ملك مطلق لقبائل عنزة الوائلية وان من يعملون في الحقول هم موال لهم حق الإقامة والسكن وجزء من المحصول .
لذلك نجد البدراني في بداية بحثه قد قام بخطوة غير علمية ابداً ،ففي ص 96 كتمهيد مسبق لنقض هذه الحقيقة قام ببتر نص واضح وصريح ويحدد طبيعة وحقيقة ملكية قبيلة عنزة المطلقة لأراض خيبر ، وهو نص من كتاب (تحفة المحبين والاصحاب في معرفة ما للمدنيين من أنساب) لمؤلفه عبد الرحمن الانصاري (ت1197هـ) ،والأخير ذكر نصاً مايلي : (\”بيت الخيبري\”. نسبة إلى خيبر، بلدة قديمة مشهورة. وإليها ينسب كثير بالمدينة المنورة. وحرفتهم حفر الآبار وضرب اللبن. ويقال: إن أصلهم من يهود خيبر الذين أجلاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- من المدينة. وقيل: إنهم مواليد لعبيد عنزة؛ لأن خيبر أملاك لهم إلى اليوم) ا.ه
وقد ساق البدراني النص أعلاه في ص96 مبتدئا بعبارة: ( لان خيبر أملاك لهم ..الخ) ،حاذفا بكل صفاقة ماقبل العبارة،وذلك ليخرج من حرج يهودية السكان المنقوضة اصلا بالحيثيات التي ذكرنها سابقاً،ويساهم في محاولته اليائسة لنقض حقيقة ملكية قبائل عنزة لبساتين البلدة ،ولأول مرة اشاهد نصاً يبدأ بسبب دون المُسبب! فضلا عن عدم تعليق المؤلف لتطابق ماذكره الانصاري مع بوركهارد ،ومع صاحب (كيف كان ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب!) وخاصة انه كان بامكان البدراني الزعم بكل سهولة ان الانصاري متحامل ،او لم يصل الى خيبر ، او نقل رواية الأعداء والمتحاملين ،كما فعل مع بوركهارد والنجدي ! لكن دون أن يبتر النص بهذا الاسفاف!
تاريخ ملكية قبيلة عنزة الوائلية لخيبر
من اعجب ماقرأت هو أن مبحث بهذا الحجم يخلوا من أهم نقاطه ،وهو تاريخ ملكية قبيلة عنزة الوائلية لواحة خيبر ،اذا اكتفى المؤلف باشارة ناقصة ومتناقضة لبدء امتلاك القبيلة الوائلية لخيبر ،ذكر البدراني في ص112 من المبحث : ( وتعد قبيلة عنزة أكثر القبائل المعاصرة علاقة بخيبر،واقدمها نزولا في المنطقة وفقا لماجاء في المصادر التاريخية التي سبقت الإشارة في الكلام عن خيبر في العصر العباسي)ا.هـ
لكننا نعود الى تغطية البدراني لباب (خيبر في العصرين الاموي و العباسي) في ص68 فلانجد أي ذكر لاسم عنزة او ربيعة القبيلة الام ،بل يتضح ان قبائل خيبر تلك الفترة كانت غطفان وسليم ونمير وهناك ذكر لبني هلال ،اما ملكية خيبر تلك الحقبة فهي لبني جعفر الطيار حيث ورد مساهمتهم في احداث الفتنة الكبيرة في جزيرة العرب التي امتدت من 230هـ وحتى سنة 233هـ.
لكن ! لماذا ذكر البدراني في ص112 ان عنزة القبيلة كانت بخيبر خلال العصر العباسي؟ وطلب من القاري العودة لباب (خيبر في العصر العباسي) رغم خلوه من النصوص الدالة على مزاعمه!؟
حقيقة الامر ان الباحث البدراني انما يستند على مقالة معاصرة للشيخ حمد الجاسر بعنوان (عنزة ..بلادها حديثا وقديما) تم نشرها بمجلة العرب سنة 1415هـ ،حيث زعم الجاسر ان كتاب الاكليل للهمداني يفيد بان عنزة احدى قبائل المدينة المنورة في القرنين الثاني والثالث الهجريين ، وانها- اي عنزة- أخرجت بعد معركة مع بني حرب الى خيبر تلك الفترة ، وقد سبق ان نقضنا هذه الخرافة وخرافة كتاب الاكليل للهمداني ووضحنا ان هذه الأسطورة منقولة من كتاب نشوان الحميري من علماء اليمن بالقرن السادس الهجري،وهو الكتاب الذي أخطأ الشيخ الجاسر والقاضي الاكوع اليمني ونسبوه الى الهمداني .
اما اكثر الأمور التي اثارت استغرابنا هو التجاهل التام للمؤلف البدراني عن كتاب مهم في القرن السابع الهجري ،يوضح بجلاء بدء علاقة قبيلة عنزة في خيبر في القرنين السادس والسابع ،وان الوائليين استولو عليها من ملاكها منذ العهد العباسي وهم بني جعفر الطيار والمعروفين بـ (الجعافرة) ،الذي رأى البدراني بام عينه انهم ملاك خيبر في العهد العباسي عندما أحال القراء احالته المبهمة، ورغم ان البدراني ذكر اشعارا ورد فيها ذكر خيبر الا انه تجاهل ديوان ابن المقرب العيوني وشرحه المعاصر لتاريخ استيلاء عنزة على البلدة ،حيث أورد القصة كاملة لهذا الحدث ووثقها في شعره ،ومن القصة يتضح لدينا ان قبيلة عنزة الوائلية لم تعرف خيبر قبل بدايات القرن السادس الهجري ،وقبله لاعلاقة للقبيلة الوائلية بالواحة ،حيث لانجد ذكرا لربيعة القبيلة الام او فروعها حول خيبر او حتى المدينة المنورة الى ان يطل علينا نص السكندري قرابة سنة 560هـ ،ويفيد بذكر عنزة حول حرار الحجاز ،ثم نص ابن المقرب العيوني الذي يميط اللثام بشكل نهائي عن تاريخ امتلاك القبيلة لخيبر مطلع القرن السابع تقريبا ،ويعضد الحموي صاحب معجم البلدان كلا من السكندري والعيوني ،وهو معاصر للأخير ،فكيف سمح البدراني لنفسه تجاهل كل هذه الحقائق ؟!
البدراني يرد النصوص المحكمة ،والحقائق التاريخية الساطعة ،عبر احالات ناقصة ،وتلاعب ،وبتر للنصوص كان في كثير من الأحوال في غنى عنها ، واني ارجو ان يكون الأخ فايز ذو صدر متسع لهذا النقد ،وهذه الإضافات التي اضفناها والله من وراء القصد.
انتهى
كتبه :نائف بن غانم الفقير العنزي

مقالات ذات صلة

من مواطن بني وائل عين التمر ( شثاثا)

فريق التحرير

أقدم نص في التاريخ عن العرب : ديدور الصقلي

فريق التحرير

كتاب الحداوي للأمير محمد الاحمد السديري

فريق التحرير

حذف التعليق