بحوث ودراسات

مأزق النسب بين قواعد العلم والواقع !

انتشرت في الآونة الاخيرة بحوث النسب ، ومحاولة تاصيل ورد وربط القبائل المعاصرة في مسمياتها الماضية ، ونتيجة لهذا الامر انتعشت المؤلفات عن القبائل ورجالاها واعلامها وانسابها ، ونعني بالانساب تلك القديمة ، وتطورت بعض الامور وتبلورت كقواعد عامة لكل من يطرق هذا المجال من المهتمين ، وقد وجدت – بما اني ضمن من طرق هذا الامر ان قواعدا عامة بدات تتسرب بين الباحثين لتتمايز الى نوعين :

الاول هي قواعد ومعايير تم اشتقاقها وفيها نوع من الصحة في ظاهرها ، ولكن ليس صحيحة على اطلاقها ، ويندرج في ذلك القواعد التي تُفهم وتُفسر بشكل خاطيء . مثال على هذا النوع هي قاعدة يتم ترديدها كثيرا تقول : ( الناس مامونون على انسابهم) واخرى تنص على ان القبائل يجب ان تكون احلافاً دائماً !
او ان اقليما بعينه هو فقط اهله العرب والبقية خلائط ، مثل اعتبار جزيرة العرب فقط هي موطن العرب ، ووجودهم في اقاليم مثل : العراق والشام و واالجزيرة الفراتية ومصر هو وجود طاريء ، ولذلك نجد الباحثين المعاصرين يتهافتون لاثبات ان هذه القبيلة او تلك من نجد او الحجاز وانها هاجرت من هناك .. الخ ، ويتبع هذه القاعدة القول الخاطي الذي ينص ان يجب ان تكون القبائل العربية مهاجرة من جزيرة العرب الى غيرها وليس العكس . كما ان الشائع لدى الباحثين ان القبيلة الحديثة الاسم ( أي التي لم يرد لها اسم عند قدامى المؤلفين العرب) مشكوك في اصولها وانها ليست بأصالة ومكانة القبائل التي تحمل اسم قديم ولازالت تتداوله . ويتبع ذلك اعتبار أن النسب علم ، وبالتالي فهو قائم على الاحتمالات والنظريات والفرضيات ، وعليه نستنتج ان النسب ظني ومستحيل القطع بأي نسب ! كل هذه القواعد نجدها تتسرب عند الكتاب المعاصرين ، ويرويها البعض كانها مسلمات لانها ربما يظهر من نصها الصحة ، ثم ياتي وجه الاستدلال بهذه القواعد ليؤكد انها صيغت لاغراض وأهواء بغرض اثبات انساب وجذور او نفي اخرى . ثمة نوع آخر من قواعد النسب التي تستخدم بكثرة هذه الايام ، و هي تلك القواعد المنطقية الفلسفية وليست واقعية ، أي انها صحيحه عند المنطقيين ، ولكنها قد لاتكون صحيحة في الواقع ، مثال عليها هو المناظرة والمقابلة بين الاجذام والبطون عند القبائل .. مثلا : جميعنا عرف الرواية التي تقول بانقسام العرب لجذمبن : قحطان ، وعدنان ، الا ان احدا من الناس اليوم لايطلق عليه كلمة عدناني ، بينما قحطان قبيلة معروفة اليوم بنفس الاسم .. فافترض المنطقيون ومن باب المناظرة ان عدنان وبما انه انقسم الى قبائل متفرقة عن بعضها – فيجب ان يحصل هذا لنظيره قحطان ، وعليه نلاحظ ان هناك من يرفض ان القبيلة التي تحمل اسم قحطان في العصر الحالي ، وانها من المستحيل ان تنتسب الى قحطان القديم ، لان المنطق الذي اختفى به اسم عدنان يجب ان يختفي به اسم قحطان ايضاً ، وعليه لابد من وجود قحطان آخر قريب عهد !لكن بالرجوع الى الواقع التاريخي تبين ان قحطان القديمة هي قحطان لاغير ، وليس من الضروري ان يحصل لقبيلة ماحصل لقبيلة اخرى مناظرة لها في النسب ، ولذلك نجد قبائل عربية كبيرة وكثيرة اكثر عددا من عدة قبائل مناظرة لها في كتب النسب، بسب بقاء الاحساس والانتساب الى جد واحد او لقب ، ونجد ايضا قبائلا قليلة العدد نتيجة لافتراقها عن بطون اكبر ، وليس لهذا الامر عوامل ثابتة موحدة ، او أنها تتعلق بمرور الزمن كما يعتقد البعض ، فنحن نجد قبائل تحمل اسماء جاهلية لم يندثر الاحساس فيها عند المنتسبين اليها حتى هذا العصر ، بينما نجد في المقابل قبائل حديثة الاسم نسبيا قد تكون اكثر عددا من القديمة الاسم ، بل وربما أكثر شرفا ومكانة بين القبائل ! ان لهذا الامر عوامل متشابكة من المستحيل تعميمها او رؤية ملامح لقاعدة ما نستيطعى تعميمها ، بل هي خاصة بكل قبيلة على حدة ، وعليه فلابد من دراسة حالة كل قبيلة على حدة لتبيان هذه العوامل ، وذلك بدلا من الافتراضات والتعميمات المنطقية الخاطئة . وسنلقي الضوء في هذه المقالة على عدد من هذه القواعد الشائعة عند المؤلفين المعاصرين من النوع الاول الذي ذكرناه في مقدمة المقالة ، لنحاول ان توزن وتوضع وتفسر بشكل صحيح وموضوعي بعيدا عن السطحية التي طبعت اغلب كتب الانساب المعاصرة .

1- قاعدة : الناس مؤتمنون على انسابهم

هذه القاعدة من اكثر القواعد انتشاراً ، وهي صحيحة في ظاهرها ، والاشكال يقع في اسقاطها ومكان الاستدلال بها وليس في ظاهر نصها ، فعند سؤال انسان ما عن اسمه ونسبه فغالبا مايكون مُصدقاً ان لم يكن يكن في موقف يستدعي ذكره لغير نسبه الحقيقي ، ومن هنا جاءت هذه القاعدة ، اما خطأ كثير من الباحثين يقع في استدلالهم بهذه العبارة لتأصيل عائلة او قبيلة معاصرة لمسمى قبلي قديم مندثر لاعلاقة له مباشرة باصحاب الشأن ، وليس معروفا عنهم عند من يعرفهم ، كذلك يقوم بعض الباحثين بتأصيل مسميات لقبائل معينة بعد اجتهادات بحثية من قبلهم ، ومن ثم يحاولون الاستدلال لهذه الاجتهادات مستخدمين هذه القاعدة . فالناس مأمونون فعلا على انسابهم ، ولكن هم مُصدقون على تلك الأنساب الفعلية الحقيقية المتداولة والمعروفة عند سواهم ممن يعرفهم ، فلايدخل في ذلك الانساب القديمة المتوقعة والتي تم تخمينها واستقرائها عبر بحث وربط تاريخي من قبل الباحث ، ومن ثم ذكرها ليأتي بعد ذلك الاحتجاج لها بهذه القاعدة ! ايضاً يدخل ضمن هذه القاعدة اقسام وحمولات القبائل الموجودة فعلاً والتي نقع تحت عمود النسب الاصل ، فليس اعرف من القبيلة احد غير ابنائها ولذلك تنطبق هذه القاعدة في هذه الحالة .

2- قاعدة : علم النسب ظني واموره نظريات ظنية لاقطع فيها . وهذه القاعدة مثل سابقتها من حيث اسقاطها من قبل البعض في غير محلها ، فالنسب المحسوس المتداول المعروف ليس ظنياً او مُتوقعاً ، بل هو نسب حقيقي وواقعي ومقطوع بصحته عند اصحابه، واقصد في كلمة واقعي انه نسب يُعتبر شرعا ، وتقوم به الاعتبارات الحياتية وشؤونها واحداثها ، والطعن بهذه النسب او التلويح بانه غير مؤكد يعتبر طعنا بالنسب يحاسب عليه الشرع والقانون . بيد انه من الممكن القول بأن نسباً اجتهادياً لقبيلة موجودة بقبيلة قديمة مندثرة الاسم انه نسب مُتوقع ، الا ان هذا لايقع ضمن النسب ، بل يضل ربطا وتأصيلاً قائما على اسس علمية بحتة ، ومن هنا جاءت هذه القاعدة لتنطبق على هذه النقطة فقط ، أي ان الظن والتوقع جائز على الاحتمالات التاريخية ، وليس جائز على الانساب المتداولة والمعروفة بالشيوع بين العامة . بعض الباحثين يوسع مجالات هذه القاعدة ليتدخل بأنساب متداولة مقطوعة الصحة بالتواتر، ليحولها رمال تتحرك وفق رياح دراساته وبحوثه ، مع إهمال أهل الشأن أنفسهم واعتبارهم عامة جهلاء ليسو باحثين ولا يملكون أدوات البحث العلمي رغم انهم هم اهل هذا النسب واصحاب الاسم ! ان الأصل أن النسب عند العرب ليس علماً لكي يدخل دائرة الشك التي هي أساس العلم ، بل هو ظاهرة انسانية تُصنف التجمعات البشرية فيها وفق درجة القرابة في الاجداد ، لتتكون اولاً اسر بسيطة ثم تكبر لتصبح قبائل بسبب احتفاظ الذاكرة لاجيال طويلة باسم الاب الاول او لقبه ، وتظل اللغة العامل المشترك بين القبائل لتولد منها القوميات ، فهناك العرب وهناك الاكراد ، والالمان ، والانجلو ساكسون وكلها مجتمعات قبلية في الاساس . وانساب الناس والعشائر الصغيرة وتفرعاتها من الامور تكون عادة معروفة عند ابناء القبائل ، فهي اشبه ببيانات عامة متاحة لكل من احتك بقبيلة معينة او خالطها . لو كان لك جار امتدت معك جيرته لسنوات فمن الطبيعي انك ستعرف قبيلته او عائلته ، وستعرف ابنائه باسمائهم ، وعندما تقوم بتوثيق هذه البيانات على ورقة وتقحمها بكتاب فهل تسمي هذا علماً !! قد يخالفني البعض في ما اذهب اليه ، وقد يحتج علينا بمقالات لبعض العلماء المسلمين القدامى مثل ابن حزم وغيره وقولهم ان علم النسب علم شرعي يجب تعلمه ويجب التوسع والتخصص فيه ! وخاصة ان هناك جيلا آخرا من العلماء كان يرى في مايُسمى علم النسب ( علم لاينفع وجهل لايضر!)

ثمة مقال لعبد الرحمن بن خلدون في مقدمة تاريخه المعروفة كان قد اوضح فيها هذه التناقضات باسلوب رائع ، وبين وفصل بين الانساب المتداولة عند اصحابها الذين هم العرب، وبين من وثقها وكتبها من العلماء الذين يعتبرونها علماً ، ليظهر منهم بعد ذلك من يذم او يثني على هذا العلم !

يقول ابن خلدون : أن النسب إنما فائدته هذا الالتحام الذي يوجب صلة الأرحام حتى تقع المناصرة والنعرة وما فوق ذلك مستغنى عنه، إذ النسب أمر وهمي لا حقيقة له، ونفعه إنما هو في هذه الوصلة والا التحام. فإذا كان ظاهراً واضحاً حمل النفوس على طبيعتها من النعرة كما قلنا .

فهذا بنظرنا افضل رأي عن مايسمى جزافا علم النسب ، حيث ان بعض الباحثين يتوهمون ان انساب الناس المتداولة _ والتي تقوم بها النعرة- انما هي امور تخضع لاجتهاداتهم وقد ينفون او يثبتون بحجة البحث العلمي ! وبحجة ان النسب علوم ظنية!

ويواصل ابن خلدون توضيحه لذا الامر ويزيل اللبس عن جذور قاعدة النسب علم لاينفع وجهل لايضر قائلا: ومن هذا الاعتبار معنى قولهم: النسب علم لا ينفع وجهالة لا تضر، بمعنى أن النسب إذا خرج عن الوضوح وصار من قبيل العلوم ذهبت فائدة الوهم فيه عن النفس وانتفعت النعرة التي تحمل عليها العصبية فلامنفعة فيه حينئذ .

لاحظ قول ابن خلدون ( وصار من قبل العلوم) ، فالاخبار البعيدة الذكر زمنيا والتي لاتنعكس على الانساب المتداولة انما هي من قبل العلوم ، وفي النسب هي تكون بلا فائدة مباشرة ، لذلك تظل في محل نقاش نخبوي بين المهتمين والطارقين لهذه الامور .

وخلاصة قولنا في هذه النقطة ان هناك جانبين يتم الخلط بينهما كثيرا واطلاق علم النسب عليهما دون تفرقة وهي :
1- النسب المحسوس المتداول ، الذي تقوم به اعتبارات اضحة تماما توضحه مثل النعرة والتآلف بين اصحابه ، فهذا لايدخل ضمن العلم ابدا ، ولامجال للاجتهاد فيه او نفيه . ومثال على ذلك اسماء القبائل العربية المعاصرة وفروعها وفق المعروف والمشهور ، والمرجع هنا هم ابناء القبائل انفسهم ، حتى لو كانو اميين ، فيكفي فقط انهم يعرفون ابناء قبيلتهم وفروعها ، وربما تفوقوا على المتعلمين من ابناء قبيلتهم ذاتها في هذا الجانب .
2- النسب القائم على اخبار بعيدة عن ذاكرة الجيل ، فهذا يدخل ضمن العلم ، أي يجب ان يخضع لمعايير البحث العلمي، وان كنت لااحبذ تسميته علم النسب ، بل هو جزء من علوم التاريخ .
ان التفريق بين هذين الجانبين امر هام وضروري ، فقاعدة ( الناس ماتمنون على انسابهم ) انما تصح في اللجانب الاول ، ولاتصح في الجانب الثاني ، وقاعدة ( علم النسب ظني غير قطعي ) انما تنطبق الجانب الثاني فقط .

مقالات ذات صلة

مملكة بني حنيفة في النوبة .. دولة الكنوز

فريق التحرير

خزانة التواريخ النجدية:صناعة الزيف التاريخي بأثر رجعي

نايف الفقير

علاقات البدو بأهل القرى .. قبيلة مطير أنموذجاً

فريق التحرير

حذف التعليق