مقالات

القعقاع بين يدي المثنى: بلاء الدراما ونكبة التاريخ!

سبقت مسلسل (القعقاع بن عمرو التميمي) دعاية كبيرة عن ضخامته الإنتاجية، تجاوزت شهرة هذه الشخصية التاريخية التي لم يولها المؤرخون القدامى اهتماماً كبيراً، فالقعقاع لم يكن من الشخصيات الشهيرة في صدر الإسلام، ولم يرد المؤرخون نسباً له سوى أنه من قبيلة تميم التي جاء وفدها إلى النبي الكريم في السنة التاسعة للهجرة بعد غزوة تبوك، ليعلن دخول القبيلة في الإسلام… ولم يكن للقعقاع أي ذكر بكل الغزوات أو السرايا التي بعثها رسول الله انطلاقاً من دار الهجرة في المدينة المنورة، كما لم يعرف عنه أي جهاد في عهد النبوة، الأمر الذي يدل على إسلامه المتأخر، ثم صحبته للنبي في العامين الأخيرين قبيل وفاته.
وهكذا فقد أراد المسلسل أن ينبش في سيرة شاعر وفارس، لم تكن لحياته خصوصية درامية، ولا شهرة سائرة، وإن كان له دور مهم في الفتوحات التي توالت في عهد الخلفاء الراشدين، فحارب المرتدين في عهد أبي بكر، وكان بطل القادسية في عهد عمر بن الخطاب، وشهد فتنة مقتل عثمان بن عفان، ثم ما كان من أنصار علي بن أبي طالب، في موقعة الجمل، ثم في معركة صفين ضد جيش الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان.
ولا يبدو في اختيار سيرة هذه الشخصية كمادة لمسلسل تاريخي، أية رؤية خاصة سوى المرور على الفتن التي عصفت بتاريخ صدر الإسلام، منذ مقتل عثمان بن عفان، وما تلا ذلك من أحداث جسام لم يكن فيها القعقاع سوى فارس من فرسان كثر أبلوا في ساحات الجهاد بإيمان وإخلاص.
لكن إذا استثنينا هذه المسألة على اعتبار أن المسلسل يؤرخ لفارس وشاعر عربي عاش في صدر الإسلام وكفى، فإن العمل يبقى مجرد مسلسل تلفزيوني يبحث عن موضوع وعن شخصية بطولية، صيغت سيرتها في نص سردي يروي أكثر مما يجسد، وينشغل بالحدث العام، أكثر مما يضيء الجوانب الخاصة لهذه الشخصية التي لم يعرف الكاتب محمود الجعفوري كيف يرمم سيرتها الذاتية في ظل فقر ما نقله عنها المؤرخون القدامى والمحدثون سوى بسالتها وحنكتها في القتال، وزهدها في الغنائم التي كان يجنيها الفاتحون.
ويبدو أن المخرج المثنى الصبح تعامل مع الموضوع من هذا المنطلق، فلم ير في سيرة القعقاع سوى مساحة لإخراج المعارك وحشد الحشود، واستعراض عضلات إخراجية وبذخ إنتاجي، كان يعوزهما هدف درامي بدا غائباً على مدار العمل، فهل يصنع الناس المسلسلات التاريخية كي يقولوا إنا قادرون على تصوير معارك ضخمة، والاستعانة بخبراء أجانب ومصممي معارك ومبارزات وشركات غرافيك ساهمت في صنع تحفة اسمها (أفاتار) وجاءت لتضفي بعض المؤثرات الخاصة على عملنا؟!
سؤال لا أطرحه برسم الأخ المثنى الذي أعطانا الجواب بطريقة غير مباشرة حين أشار في حوار صحافي مع ملحق \’تشرين دراما\’ نشر بتاريخ (5/9/2010) قال فيه بالحرف: \’أنا لم أجتمع بالكاتب بعد تسليمه النص، وبالطبع قمت بتغييرات على النص يحق لي كمخرج أن أقوم بها\’. فما هذا العمل التاريخي الذي لا يشعر المخرج ولا لمرة واحدة بالحاجة للاجتماع بالكاتب، ثم يقوم بتغييرات على النص من دون الرجوع إلى الكاتب الأصلي، إن لم يكن عملاً بلا رؤية… وما هذه الثقة التي يملكها السيد المخرج إزاء معرفته بهذا التاريخ وشخصياته وكأنه يحمل دكتوراه في تاريخ صدر الإسلام تجعله في غنى عن استفسار أو نقاش مع الكاتب؟!
لقد أمضى الراحل الكبير مصطفى العقاد سنة كاملة في القاهرة مع كاتب السيناريو الايرلندي هاري كريغ أثناء كتابة نص فيلم (الرسالة) بمشاركة خمسة من كبار الأدباء المصريين والمهتمين بأدب السيرة، وأثناء التصوير كان الكاتب يرافق عمليات التصوير مشهداً بمشهد ويتناقش مع الممثلين والمخرج عن رؤيته لأداء الشخصيات التاريخية التي كتب عنها، وأنا أفهم أن (الرسالة) مختلف في قيمته التاريخية وقيمه المهنية وثقافة صانعيه عما نراه في مسلسل (القعقاع)، لكن أن تصل المسألة حد أن يأخذ المخرج النص ويمضي هكذا من دون أن يلتقي بالكاتب ولا حتى لمرة واحدة، فهذا أمر يعبر تماماً عن حالة الثقة المفرطة بالنفس التي يعيشها مخرجو الدراما السورية الشباب اليوم، والتي تدعو للرثاء حقاً.
وأعتقد أن الكثير من القراء سيشاركونني هذا الشعور العميق بالرثاء حين يقرؤون كلمات المثنى صبح وهو يقول في الحوار المشار إليه عن عمله: \’أنا بكل تواضع أقول انني رفعت السقف في الدراما التاريخية العربية فنياً ودينياً وتاريخياً، وأي عمل تاريخي سيقدم لاحقاً يجب أن يبدأ من بعد القعقاع\’، فإذا كان يقول هذا عن عمله (بكل تواضع) فماذا سيقول إذا أراد أن يتحدث (بشيء من الغرور) يا ترى؟!
لقد تابعت الكثير من حلقات (القعقاع بن عمرو التميمي) فلمست فيه ضعف الحبكة وطغيان السرد، ولاحظت ضياع حضور الممثل مقابل تعزيز مشهدية قتالية تلغي الأثر الحقيقي للشخصية ولدورها في التواصل مع مشاهد يفترض أن يتفاعل مع أبطال التاريخ، قبل أن يتحمس لمعاركه، ويشنف آذانه لسماع صليل السيوف ورؤية مشاهد الدم، وجدت غياب أثر الإدارة الإخراجية على كثير من الممثلين وحزنت لسلوم حداد وهو يبذل جهداً بلا طائل، وشعرت بالكثير من ممثلي الأدوار الثانوية الذين كان همهم أن يتحدثوا العربية الفصحى بطلاقة على حساب الإحساس الدرامي للمشهد، ربما لأن المخرج كان كل همه إدارة الخيول والفيلة التي يتباهى أنه صورها في الهند..لا إدارة البشر.
وعندما رأيت الرايات البيض والسود تنتشر بكثرة في أيدي الجيشين في معركة (صفين) وكأنها صور زعيم عربي في مسيرة تضامن وتأييد، تساءلت إن كان هؤلاء سيقاتلون بالرايات والأعلام لا بالسيوف، ثم إن كانوا سيتقاتلون بالسيوف… فكيف سيديرونها ضد بعضهم بعضاً وهم مولعون بحمل هذا الكم من الرايات؟! وتذكرت، بالقياس، قصة استشهاد حملة اللواء في معركة (مؤتة) وكيف استشهد زيد بن حارثة ثم جعفر بن أبي طالب ثم عبد الله بن رواحة وهم يحمون راية المسلمين تباعاً، وليس لدى كل منهم راية يتزين بها، فهل كان التشكيل الجمالي هنا أهم من الحقيقة التاريخية؟! وهل كانت التقنيات والإكسسوارات أهم من المعاني والدلالات؟!
إن مسلسل (القعقاع بن عمرو التميمي) هو نموذج معّبر للغاية عن الطريقة التي يفكر بها المخرجون الشباب، وعلى حالة انعدام الثقافة وقلة المعرفة التي يتعاملون فيها مع موضوعاتهم ومع التاريخ الذي نُكب حين صار بين أيديهم.. وهو عمل لن يبقى في الذاكرة طويلاً، لأنه مشغول بلا إحساس وبلا رؤية وبلا هدف درامي حقيقي، يمكن أن يقول لنا ماذا تعني سيرة القعقاع بن عمرو التميمي البيضاء هذه، وما الذي يمكن أن تقوله لمشاهد اليوم، خارج تصوير فتن وانقسامات عاصرها القعقاع كما عاصرها غيره، وقدمها لنا العمل بحس مذهبي سافر، وما الذي تعنيه خارج التمسح بالعصبية القبيلة لمن يرون في أنفسهم امتداداً لقبيلة تميم التي يروي العمل سيرة فارس من فرسانها؟!

مقالات ذات صلة

الكرم عند العرب… يخجل أمم أوروبا

فريق التحرير

النسابة الجدد والغرضية في النسب الوائلي

فريق التحرير

الاسر المتحضرة والانساب المبعثرة

فريق التحرير

حذف التعليق