مقالات

أقدم نص في التاريخ عن العرب : ديدور الصقلي

لاشك أن أقدم الذين ذكروا العرب (أو البدو كما وصفوا) هو : ديدور الصقلي ، حدث هذا قبل الفي عام خلت ، قال : \”انهم يسكنون في الخلاء ،دون أن يظلهم أي سقف ، وهم يتخذون من العزلة علما عليهم ووطناً لهم ، وهم لايختارون لاقامتهم الاماكن القريبة من الأنهار وينابيع المياه ، خوفاً من أن يجذب ذلك الأعداء لمجاورتهم ، ولايسمح لهم قانونهم أن يبذروا الحب ، ولا أن يزرعوا أشجار الفاكهة ، ولا أن يشربوا الخمر ، ولا أن يعيشوا تحت سقف ، اعتقادا منهم أن الذين يخضعون لمثل هذه العادات سيخضعون عما قريب لحكام يستعبدونهم.
وبعض هولاء القوم يربون الجمال والبعض الأخر يربون الماعز ، وليس ثمة اغنى من هولاء الاخيرين بين العرب ، لانهم رغم انهم ليسو الوحيدين الذين يملكون قطعانا في الصحراء فانهم يقومون في الوقت ذاته وعددهم لايتجاوز العشرة آلاف- ببيع البخور والمر وعقاقير اخرى يجلبونها من اليمن الى شواطيء البحر.
فضلا عن ذلك فهم شديدي الغير على حريتهم ، وعندما يبلغهم ان جيشا ما يقترب منهم يلجأون الى الصحراء التي تعبر حوافها بمثابة متاريس لهم ، وحيث لايعرف الاعداء مواطن المياه في الصحراء فلايجروء احد على اجتيازها ، اما العرب فيكون لديهم العلم التام بمواطن المياه حيث سبق وأن اعدو لانفسهم آنية ضخمة خبأوها تحت الأرض ، ولايعرف سواهم- العلامات الدالة على هذه المخابيء ، وطريقتهم في ذالك : أن الارض رخوة فيحفورن في مغارات عميقة وواسعة على شكل مربع طول كل ضلع منه حوالي الذراع ، وفتحته بالغة الضيق ، وعندما يمتليء بمياه الامطار يسدون مدخله ويسوونه بالأرض ويتركون العلامات التي لايعرفها سواهم ، كما انهم قد عوّدوا قطعانهم أن لاتشرب الماء الا كل ثلاثة ايام وذلك حتى تعتاد تلك الحالة سيكون عليهم أن يحيوها عندما يذهبون بعيداً بعض الشيء عبر سهول قاحلة فهي تقاوم العطش بعض الوقت ، والعرب يعيشون اللحوم واللبن والفواكه الشائعة العادية ، وتوجد في اراضيهم أشجار الفلفل، كذلك العسل الذي يُسمى العسل الوحشي وهم يشربونه مع الماء ، وثمة أجناس من العرب يعملون في فلاحة الأرض ، وهم يخضعون لحكومات مثل السوريين، وهم يشابهون في امور كثيرة فيما عدا أن السوريين يسكنون في منازل \” أنتهى كلام ديدور الصقلي.
هذا الوصف الدقيق للبادية العربية القديمة يشبه كثيرا ماكتبه الرحالة الاوروبيين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، فهم لاحظوا أن العرب مازالوا متمسكين بكثير من عاداتهم وتقاليدهم واسلوب عيشهم في الصحراء ،كما تعجبوا من قدرة البدو على الاحتفاظ بأصالتهم القديمة ، الأمر الذي دعاهم أن يؤمنوا بحقيقة مدهشة وغريبة تتلخص في عدم وجود شعب استطاع أن يحتفظ بملامحه القديمة مثل هولاء العرب ، فمنذ عصور ضاربة في القدم وحياة هولاء في الصحراء تكاد تكون هي نفسها الحياة التي يعيشها البدو المعاصرون ، لاسيما وانهم استطاعوا أن يحتفظوا بكثير من العادات والتقاليد التي عرفها أسلافهم القدامى.
هذه الحقيقة هي تدفع بأبناء البادية المعاصرين للاحتفاظ بمورثاتهم وتقاليدهم العربية الأصيلة التي يشعرون بالفخر والاعتزا عبر تمسكهم بها ، فهي تعني لهم الأصالة والعراقة ، وكما قال عمر بن الخطاب عن البدو : \” هم أصل العرب ومادة الاسلام\” كما أن التمسك بقيم البادية وشيمها يعد حفاظاً على الهوية والخصوصية العربية الأصيلة التي صمدت طوال تلك العصور ، والتي جعلت العرب أكثر قوة وثباتاً في مواجهة ثقافات غازية كالعولمة التي سيطرت علي مقومات الحضارة الغربية ، وهي التي تتجاهل خصوصيات الشعوب الاخرى وهوياتهم .
العرب اليوم بامس الحاجة لأن يوائموا بين عراقة الماضي وأصالته ، وبين مستجدات العصر الحديث ومايقتضيه من مسايرة لروح العصر وانفتاح على حضارات الامم الاخرى ، وذلك عبر مايحفظ للعرب هويتهم وخصوصيتهم التي امتازوا بها عن سائر شعوب العالم .

مقالات ذات صلة

الـ DNA والخبراء الزائفون

فريق التحرير

كتاب الحداوي للأمير محمد الاحمد السديري

فريق التحرير

عندما كذب الظاهري على منير العجلاني

فريق التحرير

حذف التعليق