الرحالة والمستشرقين

ماكس .ف. أوبنهايم : النص الكامل عن قبيلة عنزة

الدراسات الأستشراقية والمستشرقين الذين توافدوا على بلادنا في القرنين الماضيين وماقبلهما لا شك أنها انطوت على الكثير من الفوائد لنا حيث حفظ هؤلاء القوم الكثير من تراثنا وتاريخ أجدادنا في تلك الفترة المظلمة من التاريخ والتي لم تدون بشكل كامل ومتسلسل باستثناء بعض الأجتهادات من هنا وهناك ، والحقيقة إن كل باحث يدرك هذا الأمر ويعترف به وهذا لايعني أن نسلم بكل ماكتبوه أو لا نعتقد بوجود أهداف أخرى لديهم دفعتهم للمجيئ إلى بلادنا مدعومين من حكوماتهم ومؤسساتهم الأكاديمة بميزانيات ضخمة ، كما أنهم يتفاوتون في اهدافهم وأساليبهم وحتى في شخصياتهم ، فمنهم من عشق هذه البلاد وقبائلها لدرجة أنه غير اسمه ودينه فأصبح عربيا مسلما وأقام فيها حتى مات ومنهم من رجع وهو يحمل في قلبه أحلى الذكريات وكتب رأيه بكل حيادية وأنصاف ، ومنهم من طغت نزعاته الأستعمارية والدينية عليه فحاول تزوير التاريخ وقلب الحقائق . ولكن لا شك أن العلم والبحث عن الحقيقة وتدوين التاريخ كان أحد أهم أهدافهم . يقول العلامة حمد الجاسر رحمه الله : [ لست أجهل كثيرا من البواعث والدوافع لأكثر من اتجهوا لدراسة أحوال أمتنا من الغربيين ، منذ محاولاتهم الأولى ارتياد مختلف أنحاء الجزيرة العربية في القرون الثلاثة الماضية ، ولست ممن ينظر إلى ماقاموا به من دراسات وأبحاث ، وماقدموه وما توصلوا إليه من نتائج نظر من لايدرك ماينطوي عليه كل ذلك من مقاصد ماكان يراد بها كلها وجه العلم وحده . ولكني أدرك أن أسس قوة أولئك، بلوغهم أسمى مراتب العلم ، بأحوال هذا الكون ، وتعمقهم بأسرار طبيعته , وماقامت عليه نواميس الحياة .] وفي موضع آخر يقول : [ إننا إن لم نكن بحاجة إلى مايقدمه هؤلاء الغربيون من آراء وأفكار تتعلق ببلادنا . فنحن في أشد الحاجة لكي نستفيد من تجاربهم ، ونتخذ من مثابرتهم وصبرهم نهجا نسير عليه في حياتنا اليومية .] والحقيقة أن كثيرا منهم عانا في حياته من شظف العيش فقط ليسجل مايريده كما فعل موزل حين عاش مع الرولة سنوات طويلة من عمره ، ولكم أن تتصوروا كيف عاش هذا الأوروبي المرفه حياة الرولة رغم قسوتها في تلك الفترة ، ولم يصدهم الخوف على حياتهم والموت يلوح في الأفق في كل يوم ومع كل شروق شمس أو غروبها . بل أن بعضهم عاين المعارك معاينة واشترك فيها . والحقيقة أن قبيلة عنزة الوائلية على وجه الخصوص مدينة لهؤلاء القوم حيث أسهبوا في سرد تاريخها المجيد وهجرتها العظيمة ومعاركها وفرسانها . وفي هذه السلسلة أنشاءلله سأحاول ألقاء الضوء على بعض ماكتبه هؤلاء عن عنزة وقبائلها قدر استطاعتي والله ولي التوفيق .

نبذه عن المؤلف والكتاب .
البارون ماكس فرايهير فون أوبنهايم . ومساعديه :البوفيسير آرش برونيلش . والبروفيسير فرنر كاسكل . هو صاحب الكتاب أو الموسوع الضخمة وهي : [ البدو ] وما من وصف أدق للكتاب مما قاله المؤلف نفسه في مقدمته عن كتابه . يقول أوبنهايم : [ إن هذا الكتاب حصيلة أربعين عاما من العمل والملاحظات والتسجيلات الشخصية التي قمت بها في عين المكان ] . ولد أوبنهايم في عام 1860في مدينة كولون بألمانيا . ودرس المرحلة الجامعية في جامعة ستارسبورغ تخصص قانون . وكذلك في جامعة برلين.
ومن ثم حصل على الدكتوراه في القانون من جامعة غونتن وعمره 23 سنة ، يعود اهتمامه بالشرق منذ سني المراققة حيث أهدي له كتاب ألف ليلة وليلة حيث كانت البداية ثم تطور الأمر ودرس العربية على يد مدرسين خاصين وفي عام 1884 قام بأول رحلة استكشافية إلى تركيا ومصر . وفي عام 1886 قام برحلة إلى المغرب ، وفي عام 1893 قام برحلة كبيرة إلى دمشق وعبر الصحراء السورية ثم إلى الفرات والبصرة ومن هناك إلى الهند وأخيرا إلى المستعمرات الألمانية في شرق أفريقيا .وتعددت رحلاته ومهامه الدبلوماسية للشرق بعد ذلك . ومات عام 1946 في لانشت ودفن فيها . وله من المؤلفات حوالي اربعين مؤلف وفيها الكثير عن الشرق وعن البدو . ويندر أن انشغل بالشرق شخص مثل أوبنهايم . وكل من قرأ الكتاب يدرك مقدار الثقافة والعلم والأطلاع التي يتحلى بها الكاتب خصوصا في التاريخ الإسلامي وماقبل الأسلام وتاريخ العرب والمكتبة على مر القرون والحقيقة أنني أجزم أنه حتى لو حاول احد العرب تأليف مثل هذا الكتاب عن البدو والقبائل العربية لما استطاع أن يفعل ربع مافعله هذ المستشرق الألماني الذي كتب هذه الموسوعة عن كل قبائل العرب والجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق وفلسطين . وهي عبارة عن أربع مجلدات ، وفي المجلد الرابع أضاف مشجرات وخرائط القبائل العربية بدقة متناهية ، وفريده . ويقول أيضا أوبنهايم عن هذا الكتاب : [ سيقدم كتابنا هذا معطيات إلى كل من يبحث عن معلومات حول سائر المسائل المتعلقة بأبناء الصحراء .] والشكر كل الشكر في الحقيقة لدار الوراق في لندن على ترجمتهم لهذا الكتاب بهذه الحرفية الكبيرة وهذا الجهد الجبار ومن الخسارة الفادحة إن لا يترجم مثل هذا الكتاب العظيم عن البدو . ومن المؤسف وجود الكثير من الكتب حتى الآن لم تترجم ونتمنى من الأخوة في دار الوراق مواصلة هذا العمل الرائع الذين يخدمون فيه تاريخنا المشرق ، ولا شك أن هذه الأعمال أيضا تدر ربحا وفيرا لأقبال الناس على مثل هذا النوع من الكتب . ورحم الله الشيخ حمد الجاسر الذي كان شغوفا وتواقا لترجمة كل كتب الستشرقين عن الجزيرة العربية وبذل جهودا كبيرة في سبيل ذلك . ونتمنى من جميع المؤسسات ودور النشر في بلادنا، والجامعات ، ومن المهتمين ومن شيوخ القبائل و رجال الأعمال القيام بهذا الدور والله ولي التوفيق .

قبيلة عنزة :

أول قبيلة ابتدأ بها المؤلف في كتابه الآنف الذكر هي قبيلة عنزة في المجلد الأول ، وقد كتب عنها إجمالا ثم أفرد كتابات خاصة لقبائل عنزة الكبرى مثل العمارات والرولة والسبعة والفدعان والحسنة وولد علي وسوف نأتي على ذكرها تباعا أنشاءلله . وإليكم ماقاله عن عنزة :
قبل أكثر من مائتي عام ، غادرت قبيلة بدوية شريطاً أرضياً مجدباً من الجزيرة العربية ، امتد من المدينة عبر منطقة الطفح البركاني حرّة خيبر في اتجاه الشمال الشرقي ، وبلغ أراضي المراعي الغنية ، التي تنبسط فيما وراء صحراء النفود الرملية ، وتقود إلى الأرض المحببة عند البدو : سورية وبلاد الرافدين . ملأ القادمون الجدد ، الذين سمّوا أنفسهم عنزة ، الصحراء السورية خلال بضعة عقود ، وتحولوا خلال فترة قصيرة إلى مصدر رعب بالنسبة إلى سكان الأراضي الزراعية . منذ ذلك الوقت ، شكلت عنزة أكبر قبيلة رحل في الشمال ، ودأبت على الظهور صيفاً في أرجاء سورية وبلاد الرافدين ، بصحبة قطعان جمالها ، والإنسحاب شتاء إلى جوف الصحراء ، بل والعودة في بعض الأحيان إلى موطنها القديم . لم تغير الحرب العالمية والمدنية الأوربية حياة عنزة إلا قليلاً . وإذا كان اسمها قد فقد الكثير من إيحاءات الرعب التي لازمته ، فإن الحكومات ما زالت تعتبر عشائرها الكبيرة : الفدعان والرولة في الغرب ، والعمارات في الشرق ، عاملاً تحسب له ألف حساب . تنتمي عنزة إلى أقدم قبائل الجزيرة العربية . ويمكن تتبع تاريخها إلى الحقبة الجاهلية . أما أقدم خبر عنها ، فهو حكاية خرافية تروي قصة رجل اختفى بينما كان يبحث عن القرظ ، وهي أوراق طلحية النوع تستخدم في الصباغة ، ولم يظهر له أثر بعد ذاك . هذه الحكاية تركت أصداءها في جميع اللهجات ، حتى صار يقال : ” عندما يعود جامع القرظ من عنزة ” ، أي عندما يأتي يوم لن يكون أبداً . يعتقد اللغويون العرب أنهم يعرفون من كان جامع القرظ هذا : إنه يَذُكر ، أحد أبناء أب القبيلة الأول . ويزعم المؤرخون أن الحكاية تجري في زمن سحيق محدد : فعندما كانت القبائل العربية تسكن موحدة في منطقة مكة ، شكل اختفاء يذكر ابن عنزة سبباً لحرب فرقتهم بعضهم عن بعض ، ونثرتهم في جزيرة العرب بأسرها . إن السياق الذي تندرج الحكاية فيه ، هو نتاج التفكير الإسلامي ، الذي أراد وضع مكة في موضع مركزي حتى خلال العصر الجاهلي . مع ذلك ، فإن افتراض قدم عنزة لا يمكن أن يستند إلى تعسف صرف ، خاصة وأن علم الأنساب يؤكده . يدرج علم الأنساب عنزة في عداد عرب الشمال ، وأنهم من ربيعة . تقول شجرة نسب القبيلة : هو عنزة بن أسعد بن ربيعة . وتبين نظرة إلى الجدول الذي وضعه فوستنفيلد أن عنزة أقدم بستة أجيال من بكر وتغلب ، الممثلين الرئيسين لربيعة . هكذا يضفي علماء الأنساب طابعاً مشخصاً على عمر القبيلة . أقرب معلومات متوفرة لدينا عن القبيلة تعود إلى العصر السابق مباشرة للإسلام . كانت عنزة آنذاك موزعة على منطقتين ، الأولى في الشمال الشرقي على حدود الفرات ،والثانية في اليمامة ، قلب شبه الجزيرة العرب . كانت عنزة الشمال قبائل رحلاً ، أما في وسط جزيرة العرب فكان قسم منها على الأقل مستقراً . ولم يكن للمجموعتين احتكاك سياسي فيما بينهما . كما جرى تاريخهما لاحقاً في دوائر منفصلة أيضاً ، فتحولت عنزة الشمال إلى أسلاف للقبيلة الحديثة ، وذابت عنزة اليمامة في قبائل شرق ووسط جزيرة العرب المستقرين . كان بنو هزان القبيلة الرئيسة من عنزة في جزيرة العرب ، وكانت منطقتهم تقع جنوب المكان الذي يخترق فيه وادي حنيفة جبل طويق ، بين واحة الخرج الحالية وحريق . فيما بعد ، يرد ذكر عنزة في مناطق أبعد جنوباً ، حيث لا تزال ذكريات حكم قبيلة عنزة حية إلى اليوم في الأفلاج ، بل إن قرى عنزة وجدت إبان العصر الوسيط حتى وراء منطقة طويق ، في عمق الطائف ، وقد اندثرت تلك القرى عام 597 هـ / 1200 م بسبب الطاعون ، عدا اثنتين منها . في حين هاجر الآخرون إلى الشاطئ الشرقي لجزيرة العرب ، وخاصة منهم فرع بني عتبة ( العتوب ) ، الموجود في الكويت وقطروجزر البحرين ، وينتمي إليه البيتان الحاكمان في الكويت والبحرين . بالمقابل ، بقي بنو هزان تحت اسم الهزازنة في منطقتهم القديمة ، وبالتحديد في واحة حريق ، حيث يتكرر ذكرهم في الصحائف الوهابية التي تقول إنهم قاتلوا حتى عام 1913 م ضد حكام جزيرة العرب الحاليين . يرتبط تاريخ عنزة الشمال ارتباطاً وثيقاً في الجاهلية وفجر الإسلام بتاريخ أقاربهم من قبيلة بكر . فقد كانتا تعيشان في منطقة واحدة ، إمتدت بين كربلاء الحالية ومصب الفرات في المنطقة الزراعية من العراق ، ووصلت جنوباً إلى المناطق الداخلية من شرق الجزيرة العربية مروراً بالمجرى الأدنى لوادي الرمة . كما تشاركتا سياسياً في اتحاد اللهازم ، الذي ضم عنزة وبعض قبائل بكر . ومع أن المسيحية حققت في القرن السادس تقدماً كبيراً بين قبائل الفرات الأدنى ، غير أن عنزة بقيت حتى ذلك الحين وثنية في غالبيتهم ، يعبدون الإله سعير ( سُعير ) ، ويشاركون قبائل أخرى من ربيعة عبادة المحرَّق ، الذي وجدت صورة له في السلمان ، جنوب ما عرف فيما بعد بالكوفة . لا يخبرنا التاريخ الإسلامي شيئاً عن اعتناق عنزة للإسلام ، وإن كان معروفاً أنهم شاركوا غيرهم من اللهازم في الردة في شرق الجزيرة العربية ، التي حدثت بعد فترة قصيرة من وفاة النبي ، وشكلت إحدى ظواهر الردة الجزئية : تلك الحركة الإنفصالية التي مثلت لبعض الوقت تهديداً جدياً لدولة الإسلام الفتية . إنفصلت عنزة عن بكر ، التي دخلت أفواجاً في الجيش الإسلامي وخسرتها البداوة ، بعد حروب الردة مباشرة ، بينما بقيت عنزة وفية لطريقة حياتها البدوية ، فلم يرحل غير قلة منها إلى رباط مدينة الكوفة ، مركز جيش الشرق ، التي تم تأسيسها سنة 17 هجرية / 638 ميلادية . غير أن الحملة التي اتجهت نحو الشمال مع انطلاق حروب الفتح ، تركت أثرها على عنزة أيضاً ، التي غادرت منطقة انتشارها وقدمت إلى عين التمر ، حيث واحة شثاثة قرب كربلاء ، وإلى الأنبار . فيما بعد ، إنقطعت أخبار القبيلة طوال قرون عديدة ، قبل أن يذكرها نصر الاسكندري ( المتوفى عام 560 هـ / 1165 م ) من جديد ، فهو يقول إنها تسكن غرب جزيرة العرب في حرّة النار ، أو حرّة خيبر . ولا نعرف لماذا ذهبت القبيلة إلى هناك ، وإنما نظن أن ذهابها كان يرتبط بالهجرات أو الإنزياحات السكانية التي أحدثتها حملات القرامطة منذ عام 900م ، وخاصة منها هجرة العقيل إلى العراق ، التي أوصلت في القرن العاشر واحدة من عشائرها هي الخفاجة ، إلى منطقة انتشار عنزة قرب عين التمر والأنبار . كانت ظروف حياة عنزة صعبة في موطنها الجديد ، لأن حرّة خيبر منطقة طمي بركاني فقيرة بالغطاء النباتي ، تخلو من أراض زراعية خارج واحة خيبر الخصبة ، حيث توجد ينابيع فجرتها البراكين . هذا الوضع ، جعل مشاركة عنزة في ملكية الواحة والحصول على جزء من محاصيلها مسألة حياة أو موت بالنسبة لها . يخبرنا ياقوت أن هذا حدث في زمنه ( توفي عام 1229م ) . وقد رسخت عنزة حقوقها بعد ذلك ، وإن اقتصرت منذ القرن الثامن عشر على تلك الأجزاء من القبيلة التي لازمت جزيرة العرب . وصف دوتي ، أحد الأوروبيين القلائل الذين زاروا الواحة العلاقة القانونية بين عنزة وفلاحي خيبر ، فقال إن ملكية القبيلة تنصب بالدرجة الأولى على نخيل التمر ، حيث يتقاسم مالكها محصوله مناصفة مع البدوي الذي يشاركه فيها ، دون أن يقدم له أي شيء بالمقابل ، ما لم يتعلق الأمر بغرس أشجار جديدة . يضيف دوتي : أن حقوق الطرفين تقبل التنازل عنها ، شريطة أن يتنازل البدوي عنها لأعضاء في القبيلة ، ويبيعها الفلاح إلى فلاحين دون غيرهم . تعتبر الينابيع ، بدورها ملك القبيلة ، أي ملك عائلات معينة منها ، يقدم أهالي خيبر لها حبوباً مقابل حق الانتفاع بها . أخيراً ، تشارك عنزة في البيوت أيضاً . هذه الظروف السائدة في زماننا أيضاً ، يمكن إرجاعها دون تحفّظ إلى العصر الوسيط ، لأنها لم تتشكل تحت حكم عنزة ، بل ترجع إلى فجر الإسلام : حين احتل النبي محمد خيبراً عام 7 للهجرة ، ألزم سكانها اليهود با عطائه نصف محصولهم . لم يحدث أي اختلاط بين عنزة وسكان الواحة ، رغم علاقاتهم الوثيقة بهم ، لأنهم ــ وغيرهم من سكان واحات الحجاز ــ كانوا من أخلاط زنجية قوية . وإن كان دوتي يورد حكاية أسطورية تذكر سبباً آخر لانعدام التزاوج بينهما : عندما جاءت عنزة في الماضي إلى مقربة خيبر ، ذهبت ابنة الشيخ إلى المدينة تتعرف على قريناتها ، فرآها شاب ولا حقها واعتدى عليها وكان ذلك الشاب ابن زعيم خيبر . طلبت عنزة ترضية تمحو بها عارها ، فرفض الفلاحون طلبها ، بل ومنعوها من الوصول إلى ينابيع المياه . وفي صبيحة اليوم التالي ، إمتطى شيخ خيبر حصانه وجاء عنزة يدعوها إلى القتال . وعندما نشبت المعركة وقتل الشيخ وكثير من قومه ، إحتل البدو قرى المنطقة ، وأقسموا أن لا يزوجوا بناتهم من رجال خيبر ـــ لم يحم هذا القرار القبيلة من مماهاتها مع الخيبريين ، ولكن ليس مع الخبيرين الحاليين وإنما مع يهود الواحة القدماء ، الذين كانوا قد طردوا عام 20 للهجرة من جزيرة العرب . لكن العرب لا يتعاملون ، كما هو معروف ، بدقة مع الحقيقة ، حين يلصقون العيوب بجارهم العزيز وهكذا فهم يسخرون من عنزة بوصفهم ” يهود خيبر ” . كما أيد الأوربيون ، من جانبهم ، الأسطورة التي تجعل من العنزة يهوداً ، فزعم نيبور أن هناك ثلاث قبائل يهودية في خيبر هي : بنو مزيد وبنو عنزة وشحان ، وأخبرنا فيستشتاين عام 1865 م بسذاجة : ” أن الأمير اليهودي الأخير ، الذي لا تزال أعمال النهب التي قام بها شرق سورية ملء الذاكرة ، يسمى حمدان ، وكان شيخ عشيرة عبدالله ، الذين قدموا قبل حوالي 80 إلى 90 عاماً من الحجاز إلى الصحراء السورية ، واعتبروا فرعاً من الرولة ، وأقاموا مضاربهم معها . ثم أجبروا في مطالع القرن العشرين على التحول إلى المذهب الوهابي ، شأن جميع قبائل الرولة وولد علي ، لكنهم لم يعودوا إلى الموسوية من جديد ، حين انفصل الجميع عن المذهب من جديد بعد سقوط الدرعية ” . ليس من المعقول أن تكون منطقة انتشار عنزة قد اقتصرت على حرّة خيبر وحدها . يسجل ابن خلدون ، وابن سعد ( منتصف القرن الثالث عشر ) ، الذي يرجع ابن خلدون إليه عادة في ما يتعلق بتواريخ البدو ، أن عنزة عاشت في نجد أيضاً بجوار طي ، أي في القسم الداخلي من البلاد . ونستدل من أحد المصادر القليلة المعروفة حول تاريخ وسط الجزيرة العرب بين عصري القرامطة والوهابيين ، أن عنزة وصلت خلال القرن السادس عشر إلى القصيم . ويعتقد أن انتشارها غدا ممكناً بفضل هجرة قبيلة بني لام ، التي انتقلت آنذاك من شمال جزيرة العرب إلى العراق . بدورهم ، تقدمت عنزة في وقت مبكر إلى الشمال ، مثلما يظهر من اسم جفر عنزة ، النبع الذي ذكره ياقوت ، الواقع شرق العلا . أخيراً ، إحتلت القبيلة حوالي القرن الخامس عشر واحتين قديمتين جداً تقعان على طريق الحج هما واحة العلا التي سبق ذكرها وواحة مدائن صالح . تلقي المصادر من حين لآخر بعض الضوء على علاقات عنزة بالسلطات ، التي كانت قائمة آنذاك . وتقول إنها أبدت عام 666 هـ / 1267 م إستعدادها لدفع الضرائب إلى القاهرة ، لتتخلص ربما من الاتاوات التي كانت تؤديها إلى حكام آخرين ( شرفاء المدينة ؟ ) . أما في العصر العثماني ، فقد حصلت على حق الصرة ، العائد الجمركي الذي حرصت الحكومة على تأديته إلى حارسي طرق الحج ، وتلقت عام 1087 هـ / 1676م مبلغ 7116 تالر فضياً ، سدد منه 1054 تالر من الموازنة الأصلية ، ودفع الباقي في وقت لا حق . بما أن القبائل كانت تقابل تخفيض أموال الصرة أو الامتناع عن دفعها بغارات تشنها على قوافل الحج العائدة ؛ فقد نهبت عنزة عام 1112 هـ / 1703م الحجيج في منطقة الشريف الأكبر ، لأنه رفض دفع الصرة لها وألقى بعدد من أبنائها في السجن ، حيث مات قسم منهم . وقامت عامي 1115 هـ / 1703م و 1171 هـ / 1757م ، بغارات يشير موقعها ( معان ) إلى أنها كانت تتقدم آنذاك شمالاً . بدأت معالم توزع عنزة الجديد تظهر قبل الهجرة الكبيرة ، التي سبقت القسم الأخير من تاريخها . فقد حدد دوتي مناطق ترحال مختلف قبائلها ، وأخبرنا أن الجلاس ( الرولة ) تنقلت إلى الجنوب من حرّة خيبر ، بدءاً من المدينة مروراً بالحناكيه وصولاً إلى سميرا ، وقال إن أسماء الأماكن في محيط خيبر تحمل أسماءها ، ومنها وادي الجلاس وسوق الرولة . إلى شمال وشرق هذه المنطقة ، في منطقة وادي الرمة والقصيم ، سكن السبعة ، وسكن بعدهم العمارات : في جبال شمّر وحتى في شرق جزيرة العرب . أما مواقع قبيلة عنزة الرابعة الكبيرة ، أي الفدعان ، فهي غير معروفة ، وربما كانت تقع شمال الحرّة ، حيث يخيم الآن ولد سليمان ، المرتبطون حتى اليوم بالفدعان . إستولى ولد علي على غرب منطقة خيبر ، حيث لا يزال قسم منهم يسكن هناك إلى اليوم ، وإلى جوارهم على الأرجح الحسنة ، الذين تربطهم بهم صلة قرابة وثيقة . لم يؤرخ أحد لا نتقال عنزة إلى سورية وبلاد الرافدين ، مع أنه أكثر أحداث تاريخ البدو الأحداث أهمية . إذا كانت المرحلة الأخيرة من حركة القبيلة ونتائجها واضحة أمام أعيننا ، فإن الغموض ما زال يلف بداياتها وأسبابها . وإذا كنا نحاول رسم تخطيط أولي لما جرى ، فلأن علينا ، بادئ ذي بدء ، تحرير أنفسنا من تصور قد يزين لنا أننا حيال حدث فريد في نوعه وخارق ، ولأننا نعلم أن ضغوط الحكام والمجاعات هي التي كانت تدفع البدوي إلى ترك موطنه ، مثلما حدث حينما كانت عنزة الحجاز ترحل من حين لآخر إلى حوران ، وكذلك آباؤهم الأولون الذين نصبوا مضاربهم وخيامهم على حدود سورية أو ضفاف الفرات ، قبل هجرتهم الكبيرة بوقت طويل . مهما يكن من أمر ، فقد فشل الأسلاف وتابعوهم في تثبيت أنفسهم بصورة خاصة ، بما أن الموالي ، الذين سيطروا على شمال الصحراء السورية ، كانوا يتقهقرون منذ نهاية القرن السابع عشر ، بينما كان الغازية يفكرون في ترك ما وراء كربلاء من أراض والانتقال إلى الجهة الأخرى من الفرات . يرد أول الأخبار حول ظهور عنزة في الشمال بعد عام 1700م ، الذي سنعتبره أقدم فترة زمنية لهجرتها ، التي أوصلتها عام 1703م إلى معان ، وعام 1705م إلى الفرات . ومع أن مرويات القبيلة تحدد فترة أقدم بعض الشيء ، فقد ذكر شيخ الفدعان مقحم \” مجحم \” ابن مهيد عام 1913م أن أسلافه كانوا يسكنون خيبر قبل ثلاثمائة عام ، وعد فرحان ابن هديب عام 1899م سبعة أجيال من السبعة منذ غادرت خيبر ، فإن هذه التواريخ لا تتفق مع تواريخ ظهور القبيلة في سورية .
إستمرت الهجرة فترة تربو على القرن . كانت الحسنة والفدعان وولد علي أقدم القبائل التي بلغت الأراضي السورية . وانتهت ـــ الهجرة ـــ مؤقتاً بوصول الجلاس ( الرولة ) ، التي يجب أن تكون قد تمت في الثلث الثاني من القرن الثامن عشر ، حين استكملت القبائل الثلاث الأولى في تلك الحقبة تقريباً إحتلال مناطق انتشارها الصيفية الحالية ، فسكنت الفدعان السهب الشمالي بين حلب والفرات الأوسط ، والحسنه الفسحة بين حمص وتدمر ، وولد علي سهل حوران . أما الجلاس ، فكانوا آنذاك في الحماد ، حيث اقتصر انتشارهم على السهب بين بادية تدمر والنفود ، وإن تقدموا من حين لآخر إلى سهل حوران أو عبروا الفرات . ثم بدأت حوالي عام 1800م حقبة هجرة جديدة ، من آثارها الضغط الذي مارسه الوهابيون في الشمال منذ حوالي 1790م ، وأدى إلى فرار السبعة من وسط جزيرة العرب إلى الأراضي الواقعة شرقي حماه حيث لا زالوا إلى اليوم . وإنه لمن المشكوك فيه أن تكون القبيلة قد حققت بذلك هدفها الأصلي وهو التخلص من إزعاجات الوهابيين ، الذين وصل جباة ضرائبهم إلى الفدعان ، أبعد قبائل عنزة شمالاً ؟ . هاجرت العمارات آنذاك أيضاً من مواطنها في شرق جزيرة العرب إلى الشمال . لكن هجرتهم لم تكن هرباً ، بل قدموا تحت رايات الوهابية ، فأزاحوا الجلاس عن الفرات ، واستولوا تدريجياً على القسم الشرقي بأكمله من الصحراء السورية ، وإن بقيت أقسام قوية منهم في موطنهم القديم ، ولم تغادر القصيم موقعها إلا في ستينيات القرن التاسع عشر . خاضت عنزة خلال تقدمها في الصحراء السورية معارك كثيرة . وهناك حكاية تصف الحرب الدموية التي اضطرت إلى خوضها ضد الموالي : سادة الشمال آنذاك . بالمقابل ، يبدو أن احتلال سهل حوران لم يترك أي أثر يذكر في تقاليد القبيلة . نريد الآن تصحيح ادعاء ورد أول مرة لدى فون بلنت ، ثم تسرب إلى معظم الكتابات الحديثة عن عنزة . يقول فون بلنت ، أثناء الحصار الثاني لفيينا ( 1683م ) ، وبينما كانت الحدود الجنوبية للإمبراطورية العثمانية بلا حراسة ، تقدمت شمّر من الجنوب إلى الفرات عبر الصحراء السورية . بعد عشرين عاماً ، تبعتها عنزة وطردتها بالتحالف مع الموالي إلى بلاد الرافدين ـــ لا تورد محكيات القبائل ولا إخباريات الرحالة القديمة ، سواء لدى نيبور أو بوركهاردت ، أي شيء عن هذه الأحداث ، التي تناقض كل ما نعرفه عن تاريخ القبيلتين . ذلك أن شمّر ، التي سكنت جبال شمال جزيرة العرب المركزية ، لم تعش في الحماد ولم تسكن أبداً بادية تدمر ، بل عاشت على حافة الصحراء السورية ، الممتدة على الفرات من الفلوجة إلى النفود . إلى هذا لم تدفع عنزة في القرن السابع شمّر إلى بلاد الرافدين عبر الفرات ، وإنما فعل ذلك الوهابيون حوالي عام 1800م . وسنتحدث عن ذلك بالتفصيل في الفصل القادم . ثمة أمر واحد صحيح في أقوال فون بلنت ، هو أن شمّر وعنزة قبيلتان متعاديتان أباً عن جد ، ويرجع عداؤهما إلى الفترة التي كانتا تسكنان فيها جزيرة العرب ، وربما إلى وقت أقدم . عندما ارتحلت في وقت لا حق عنزة وقسم من شمّر نحو الشمال ، تزايدت مساحات الاحتكاك بينهما : فقد كانت الرولة حتى الأمس القريب في عداء شديد مع شمّر نجد في أقصى الجنوب بسبب منابع مياه ومراعي النفود ، واصطدام الفدعان بعيداً إلى الشمال بشمّر بلاد الرافدين ، الذين حاولوا ترسيخ وجودهم هناك . بين هذين الميدانين الرئيسيين للحرب ، الممتدين من خط جبل شمّر إلى أورفة ، كانت تحدث من حين لآخر غزوات سلب ونهب في الاتجاهين . ثمة أعداء ألداء آخرون لعنزة هم سكان جبل حوران والصفاء ،و خاصة منهم الدروز . ولا عجب ، إذن ، أن تكون عنزة قد تبنت سلوكاً موالياً للحكومة خلال الانتفاضات التي قام بها الدروز ، ومنها ثورتهم الأخيرة على الفرنسيين عام 1925/1927م . تقاتلت قبائل عنزة مرات عديدة بعضها ضد بعض أيضاً . ثمة صراع عام منذ أقدم الأزمنة بين البشر ، الذين ينتمي إليهم الفدعان والسبعة والعمارات ، وبين ضنا مسلم ، أي الحسنه وولد علي والجلاس ( الرولة ) ، أو بلغة جغرافية بين القبائل المخيمة على خط الفرات وتلك التي تخيم في سورية الأصلية . في المجموعة الأولى ، يشكل السبعة مجرد تابع سياسي للفدعان ، بينما يستقل العمارات بأنفسهم . لكن القبائل الثلاث هم \” أصحاب ” لذلك فهي لا تغزو بعضها بعضاً . في حين تخضع المجموعة الثانية لهيمنة الرولة منذ وقت طويل . بالمناسبة ، يتقاطع تجمع بشر ـــ ضنا مسلم في أحيان كثيرة مع تكوينات أخرى . من ذلك ، مثلاً ، أن تحالف السبعة ( بشر ) والرولة ( ضنا مسلم ) سيطر على موقع الحسنة في سورية . وقد حدثت نزاعات دامية داخل ضنا مسلم وخاصة في الخمسينيات من القرن التاسع عشر ، عندما انتزع الرولة من ولد علي حق الرعي في سهل حوران . عنزة بدو رحل ومربو جمال ، وإن رجحت منذ وقت طويل تربية الخراف لدى الحسنه وولد علي دون غيرهما ، وتقدمت بخطى ثابتة منذ العشرينيات لدى الفدعان والرولة ـــ يتطلب اقتصاد تربية الجمال مراعي واسعة ، يتم اجتيازها في تكرارية منتظمة تتبع وتيرة الفصول ؛ تضم منخفضاتها ووديانها الماء والمرعى شتاء ، وتقدم وديانها النهرية في بلاد الرافدين ، وأشرطتها الحدودية في المنطقة الزراعية السورية ، أماكن توقف ملائمة في مطالع العام ، وعندما تكون الشمس قد حولت السهب إلى صحراء ، تصل عنزة إلى الحقول ، وبمجرد أن يجني الفلاحون محاصيلها ، تغادرها في شهر أيلول إلى أطراف المنطقة الزراعية ، حيث تمكث بانتظار أمطار الخريف الأولى ، التي تهطل عادة خلال تشرين الأول أو الثاني ، قبل أن ترجع إلى السهب من جديد . لا تغري الحاجة إلى المراعي وحدها عنزة بالذهاب إلى الأرض الزراعية ، وإنما تقصدها أيضاً من أجل تصريف منتجاتها وشراء مؤونتها الشتوية من الحبوب ، والحصول على غذائها من التمر ، الذي تشتريه اليوم من شثاثة (( شفاثة )) ، واحة العمارات إلى الغرب من كربلاء ، وكانت تشتريه في الماضي من أماكن تقع داخل البلاد . كان الفدعان والعمارات يظهرون في مطلع القرن التاسع عشر بصورة دورية ، وكان الرولة وحتى الحسنه يظهرون من حين لآخر أمام النجف وكربلاء ، ويبعثون من هناك بقوافل ضخمة ـــ تحدث بعضهم عن أربعة آلاف جمل ـــ من أجل التسوق ، تصل حتى الحلة والديوانية . كانت عنزة تؤجر جمالها لمن يريدون ترحيل محاصيلهم من الحقول ، ومن أجل عمليات النقل الحكومية والمشاركة في رحلات الحج . فيما بعد ، حدّ دخول وسائل النقل الحديثة من فرص الكسب هذه ، وجف منبع آخر من منابعه بعد الحرب العالمية ، هو الخوّة بأنواعها ، التي كانت تدفعها قبائل الرعاة قبل كل شيء ، المصاحبة لعنزة خلال ترحالها الشتوي ، ويؤديها كذلك قسم من السكان نصف المستقرين على تخوم الفرات الأوسط ، وقرى حوران والجولان ، والمواقع الطرفية من سورية كصدد والقريتين وتدمر . ويقال إن حمص وحماه كانتا تدفعان هذه الإتاوة أيضاً . أخيراً جف مصدر الكسب الثالث ، ألا وهو رسوم مرور القوافل ، التي كانت تدر عائدات كبيرة في القرن الثامن عشر ، بسبب ازدهار التجارة القارية . وتوقفت ، في النهاية ، موارد الصرة ، التي كانت حكراً على ولد علي . كانت عنزة تستقل بنفسها في العصر التركي ، عندما تقوم بترحالها الشتوي ، قبل أن تعود خلال فصل الصيف إلى قبضة الحكومة ، التي كانت تستطيع عندئذ منعها من بلوغ الأسواق والمراعي ، ومنعتها من حين لآخر بالفعل ، لإجبارها على دفع الودي ( البدل ) ورسوم المراعي ة والأسواق ، ضمن مناطق معينة . أدت إقامة عنزة في الأراضي الزراعية إلى منازعات كثيرة مع السكان الأصليين ، أحجمت الحكومة عن التدخل فيها بوجه عام ، ما لم تهدد مصالحها المالية . عندئذ ، كانت الوسائل التي تستخدمها معروفة ، تقتصر أساساً على تحريض شيخ ضد آخر وقبيلة ضد أخرى ، واستدراج زعماء عنزة إلى كمائن وأفخاخ ، مع ما في ذلك من انتهاك لحقوق الضيف . تصاعد نفوذ الحكومة على عنزة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، بحيث أخذ باشا دمشق يتحكم في ترحال الرولة الصيفي عام 1878م ، مع بروز تطلعات رسمية إلى حرمانها من حياة الترحل . صحيح أن محاولة أرسلان باشا ( متصرف دير الزور حوالي عام 1870م لتوطين السبعة قرب الدير قد أخفقت ، لكن قبيلتي ولد علي في حوران والحسنة قرب حمص بدأتا تمارسان الزراعة في نهاية القرن ، بعد أن ساد الأمن المنطقتين . وتحول عنزة الكبار جميعهم إلى ملاّك قرى وأراض أهداها إليهم السلطان عبدالحميد ، وشدتهم الحكومة إليها خلال منحهم مناصب والقاباً وقروضاً مالية . جسد الباشاوات في نظر عنزة الدولة التركية . وجسدها كذلك أصحاب السلطة في شمال جزيرة العرب ، أي أمراء جبل شمّر من بيت ابن رشيد ، وحكام حائل منذ عام 1838م ، وملاك واحة الجوف ، الذين كانوا يستطيعون التحكم بالرولة ، لحاجتها إلى الواحة كقاعدة شتوية لها . وهكذا ، كان محمد بن رشيد ( 1896م ـــ 1838م ) يستطيع فرض سلطته على العمارات والسبعة أيضاً ، وإن كانت الصراعات الدموية التي نشبت بين أخلافه فيما بعد قد قوضت مكانة بيت آل رشيد ، بينما كانت مملكة الوهابيين ، التي خيل للبعض أنها ماتت ، قد عادت إلى الحياة من جديد في الجنوب ، بفضل عبقرية ملك جزيرة العرب الحالي ، عبدالعزيز آل سعود . لقد عرف الشعلان – أسرة شيوخ الرولة -كيف يفيدون من هذا الوضع ، فاستولى نواف ، ابن الشيخ نوري ابن الشعلان ، على واحة الجوف بانقلاب أنجزه عام 1909م ، أدى إلى استعار الحرب من جديد بين عنزة وشمّر في الموقع عينه ، بعد أن كانت قد خمدت طوال عقود . كانت القوى السياسية في الصحراء السورية وشمال جزيرة العرب موزعة قبل انفجار الحرب العالمية على النحو التالي : إستمر التناقض في الشمال بين البشر ( فدعان والسبعة ) وبين الضنا مسلم بقيادة الرولة ، وهو تناقض غذاه الأتراك وعملوا على إبقائه حاداً . وتواجه الرولة وابن رشيد في الجنوب بعدائية متعاظمة ، بينما شل آل سعود حركة ابن رشيد . في هذه الظروف ، حددت عنزة موقفها في ضوء سلوك مملكتي الواحات في الجنوب ، الذي تحدد منذ البداية بميل آل سعود إلى الإنجليز ، لأن مرفأهم عجير (( عقير )) كان في مرمى مدافع سفنهم ، وبولاء ابن رشيد للأتراك ، الذين كانوا يستطيعون قطع الامدادات ، التي تصله بواسطة سكة حديد الحجاز ، وتلك التي تأتيه من العراق . هذا الوضع ، أجبر الفدعان والسبعة على إقامة علاقة ودية مع الحكومة ، وفرض على الرولة علاقة عدائية حيالها ، عززتها أسباب شخصية : منها أن الشيخ نوري ابن الشعلان لم ينس أبداً السجن التركي الذي أجبر على قضاء عامين فيه ، وأن ابنه نواف أصيب بعدوى الدعاية القومية العربية المؤيدة من المحور . على كل حال ، تعينت سياسة الصحراء في الشمال بمشاغل شخصية مباشرة أول الأمر : وما إن دخلت تركيا الحرب في تشرين الأول من عام 1914م ، حتى فرت القبائل بأقصى سرعة من الأراضي الزراعية ، كي لا تدفع ضرائب حربية وتتعرض أملاكها لمصادرات الحكومة التي كانت قد بذلت جهوداً مكثفة استهدفت إقامة سلام عام بينها ، تستطيع معه التفرغ لحملاتها الحربية في سيناء والعراق ، وهو ما تحقق بالفعل مطلع عام 1915م . في سنوات الحرب اللاحقة ، بدأ التكوين السياسي الذي رسمنا صورته ، يؤثر في عنزة ، فانضم العمارات ، أي عنزة الفرات ، إلى الانجليز بعد استيلائهم على بغداد ( 11 آذار 1917م ) ، وتكفلت مجاعة عام 1917/1918م بإخضاع أجزاء كبيرة من الفدعان والسبعة لنفوذهم ، ولم يأت عام 1918م إلا وكان مائة ألف بدوي ينصبون خيامهم بجوار واحة شفاثة . بينما كانت منطقة عنزة الغربية قد تحولت بدورها إلى ساحة حرب ، إذ كان الحجاز في حالة عصيان تام منذ عام 1916م ، وتقدمت قوات الشريف حسين عام 1917م من مكة إلى شرق الأردن ، بقيادة ابنه فيصل ولورانس . في حمأة هذه التطورات ، إمتنعت الرولة عن الاشتراك في القتال ، ولم تنخرط في العمليات الحربية إلا في أيلول من عام 1918م ، عندما كانت المقاومة التركية قد تقوضت تماماً . وقد دخل شيخهم نوري ابن الشعلان في تشرين الثاني من العام ذاته إلى دمشق بصحبة الجيش العربي / الانجليزي . لا حق زعماء عنزة مصالحهم بحنكة كبيرة ، أثناء لعبة الدسائس التي انصبت على تركة الإمبراطورية العثمانية ، فاتخذوا موقفاً يتسم بانعدام الثقة بمملكة فيصل الوليدة ، حتى أن ابن سُمير ، شيخ ولد علي ، منح صوته للانتداب الفرنسي خلال الإستفتاء الشعبي الذي جرى في تموز من عام 1919م ، وأخذ يتقرب من الفرنسيين ، عندما كان هؤلاء لا يزالون بعد في بيروت . أما نوري ، الذي حافظ على ولائه لفيصل ، فلم يشارك في المعركة ضد الفرنسيين على أبواب دمشق ، وأعلن بعدها مباشرة ولاءه لهم . بدورهم ، بقي العمارات موالين للانجليز ، حتى الفدعان أنفسهم حيال قرار صعب ، بسبب حرب الحدود التي نشبت عام 1920م . ووجد الفدعان أنفسهم حيال قرار صعب ، بسبب حرب الحدود التي نشبت عام 1920م بين الفرنسيين والقوميين الأتراك في شمال سورية ، حيث راهن شيخهم مقحم (( مجحم )) ابن مهيد على الورقة التركية . أخيراً ، شعر الرولة بالضيق من تقدم آل سعود ، في جنوب منطقة عنزة . عندما كانت مملكة ابن رشيد قائمة ، كان آل سعود حلفاء طبيعيين للرولة . غير أن ذوبان حائل ( سقطت مطلع تشرين الثاني من عام 1921م وإمارة شمّر في الدولة الوهابية ، غير علاقتهما ، خاصة بعد أ ن احتل ابن سعود واحة الجوف واستولى على الكاف وقرى الملح الأخرى في وادي سرحان ، التي كانت مصدر موارد مالية كبيرة بالنسبة إلى شيوخ القبيلة ، وقد زاد من حنقهم أن دعايات الأخوان الدينية أوهنت روابطها . في هذه الأجواء ، لم يجد نوري ابن الشعلان مفراً من إجراء مفاوضات شخصية مع ابن سعود ، الذي كان قد أعلن نفسه في هذه الأثناء ملكاً على الحجاز . ذهب نوري عام 1925م إلى مكة ، لكنه قوبل بجفاء ، كما يقال . لكن علاقته مع آل سعود ما لبثت أن تحسنت فيما بعد ، حتى أنه زوج قبل فترة قصيرة حفيدتيه من الملك وابنه البكر . أدى قيام نظام الدول الجديد في الشرق الأدنى إلى توزع عنزة على منطقة الإنتداب الفرنسية في سورية ، ومملكة العراق ، وإما شرق الأردن التابعة للإنتداب الانجليزي في فلسطين ، ومملكة الحجاز ــــ نجد . ولأن مناطق انتشار القبائل المختلفة تتقاطع مع الحدود ، فقد صار الفدعان والسبعة والرولة رعايا فرنسيين ، والعمارات عراقيين . باستثناء بعض الخارجين على القبيلتين الأخيرتين ، ممن يعيشون بصورة دائمة في نجد ، ثمة اتفاقات رسمية تنظم انتقال قبائل عنزة عبر الحدود وتضمن حقوقهم التقليدية في استخدام مراعي ” الخارج ” . أدى هذا النظام إلى بعض الحوادث ، التي لم تكتسب أبداً أهمية تتخطى مناطقها ، إذا ما غضضنا الطرف عن حرب الحدود بين العراق ونجد ، التي تجاهلتها الحكومات عن قصد . تراقب الدول الجديدة الصحراء السورية بواسطة وسائط النقل الحديثة ، وتعتبر الطائرة سلاحاً فتاكاً ، ولا يحد من فاعليته أن عنزة صارت أفضل تجهيزاً من ذي قبل . وللعلم ، فقد تغلب الفرنسيون عام 1929م دون كبير عناء على الاستعار الأخير لنار الخلافات بين بشر وضنا مسلم القديم . وبسبب تقييد حريتهم ، يشعر زعماء القبيلة بمرارة الظروف الجديدة ، التي لا يستطيعون تغييرها ، والتي أفضت إلى إفلات زمام السلطة على الصحراء من أيديهم .

الرولة

بعد أن غادر الرولة خيبراً ، إتخذوا من الطرف الشمالي لصحراء النفوذ الرملية ، الممتد من تيماء في الغرب مروراً بواحة الجوف إلى بئر لين في الشرق ، قاعدة انتشار لهم ، شملت وادي السرحان وجنوب الصحراء السورية . وفي حين بقيت سورية مقفلة في وجههم أول الأمر ، إنفردت قبائل محلف الثلاث ( السوالمة ، والعبدالله والأشاجعة ) ، المرتبطة بصلة نسب معهم ، في الدخول إلى الحماد الشمالي . غير أن الحروب الوهابية دفعت بالرولة من جديد إلى الشمال . ومع أنهم اعتنقوا المذهب الوهابي حوالى عام 1800م ، شأن قبائل عنزة الأخرى ، فقد حاولوا الفرار من جباة ضرائبهم ، بأن جاؤوا المنطقة التركية أو عبروا الفرات . إصطدمت الرولة عام 1809م ، بينما كانت تعبر النهر ، بقوة مسلحة تابعة لباشا بغداد وأبادتها عند مصب الخابور ، ثم أرسلت الغنائم التي وقعت في أيديها إلى الدرعية ، عاصمة الوهابيين ، مما جعلهم يسارعون إلى قبولها من جديد بين رعاياهم . وفي العام ، رافق الرولة آل سعود في غارة على حوران . في العقود التالية ، تزايدت حاجة القبيلة إلى مراعٍ جديدة ، نتيجة تزايد قطعانها ، خاصة بعد أن حالت هجرة العمارات بينها وبين الفرات . فأين يمكن العثور على مراع كهذه ؟ . كانت أقرب المراعي تقع في النقرة ، التي كانت الرولة تشتري مؤونتها الشتوية منها ، حين كانت تنزل فيها فترة قصيرة من كل عام ضيفاً على ولد علي . بما أن بقية سورية كانت موزعة منذ وقت طويل : ” البلقاء ممتلئة بأهل الشمال ، وحوران بالزبيد ، والمرج ينتشر فيه أكثر فأكثر النعيم والعقيدات ، وأسعار الحبوب المرتفعة تؤدي إلى عمران القرى القاحلة ، وقبائل ديرة الشنبل تحمي مراعيها بالرشاشات ” ، وبما أن ولد علي كانوا يرفضون منح الرولة حقوقاً إضافية ، وأبوا تقاسم منطقتهم معها ، فقد نشبت بينهما حرب طويلة إنتهت بفوز الرولة بما سعت إليه . حققت الرولة بعض التقدم في سورية بهذا الأسلوب ، ونجحت في حماية حدودها من شمّر داخل جزيرة العرب ، حيث تفاقمت تناقضات القبائل بتفاقم التنافس بين أسرتي شيوخ أبناء شعلان وأبناء رشيد ، الذين أجبروا واحات الجوف على دفع الضرائب ، بمجرد أن أقاموا إمارتهم في حائل ( 1838م) ، ثم ضموها إليهم عام 1853م ، وعينوا عليها حاكماً من قبلهم . إعتبر أبناء الشعلان هذا الوضع انتقاصاً من حقوقهم القديمة ، رغم أنهم ظلوا كما في السابق يتلقون الخوّة من هناك . في الستينات حاولوا استعادة الجوف ولكنهم لم يحققوا نجاحات أعلاه الإمكانية لشنّ هجوم جديد . عندما وصل نبأ مقتل الأمير سعود بن حمد بن رشيد في أيلول من عام 1908م إلى الجوف ، فر حاكمها إلى الرياض ، وأعلن أحد أكثر أعيان الواحة نفوذاً تأييد نوري ابن شعلان ، شيخ مشايخ الرولة . رفض نوري التدخل ، فما كان من ابنه نواف إلا أن لبى النداء ، وذهب مع زمرة قليلة من الرجال إلى الجوف ، ليحاصر حامية ابن رشيد التي تمترست في أحد الحصون . كان نوري لا يزال ينأى بنفسه عن التدخل ، ولم يعلن الحرب على شمّر ، وعندما احتل نواف المكان ، كان الرولة قد غادروه منذ وقت طويل إلى مناطق انتشارهم الصيفية . عانت الرولة كثيراً من غزوات شمّر خلال الشتاء التالي ، فقرر نوري ابن شعلان القيام بإجراء حاسم ، بعد أن ضمن مساعدة فهد بن هذّال . وقد وضع خطة قانت على التقاء الرولة والعمارات عند ماء الجميمه ، في منتصف الطريق بين النجف وحائل زامل السبهان ، أخباراً عن الخطة ، فانقض دون إبطاء على مجنبة عنزة المتقدمة ، وغنم قطعان جمال عديدة انتزعها من قبيلتي الصقور والكواكبة ، اللتين كانتا جناح الحملة الخارجي . بدأت عنزة عندئذ مطاردتها له . وحين أبلغها رجال الإستطلاع في وقت متأخر من بعد الظهر أنه في وادي الفيحان ، إقترح فهد شن هجوم ليلي ، وقرر نوري الإنتظار إلى اليوم التالي ، كي لا يتمكن العدو من الفرار . من جانبه ، سحب ابن رشيد قواته من الوادي ونشرها في التلال . حين شنت هجومها مع الفجر ، جوبهت عنزة بمقاومة شديدة من مواقع شمّر الجديدة واضطرت إلى التقهقر بعد تكبدها بعض الخسائر . تمسك نوري وابن هذال بخطة الحرب الأصلية وأصروا على تنفيذها ، رغم كل شيء . يصف الجاسوس الانجليزي ليجمان ، الذي رأى جيش عنزة يوم 12 شباط من عام 1910م ، إنطباعاته بالكلمات التالية : كانت الصحراء تعج بكتل متموجة من البدو تترامى على مرمى البصر . وقد روى له الشيوخ أنهم لا يستطيعون تذكر مناسبة أخرى خرجت فيها عنزة بقوة مماثلة إلى الحرب . وصل الجيش إلى بركة الجميمة في الخامس عشر من الشهر . بما أن قادته خشوا أن لا يكون الماء كافياً ، فقد سمحوا باستسقاء الناس وجمال الركوب فقط ، ومنعوا تقديم الماء إلى حيوانات الحمل . حين بلغهم أن ابن رشيد يقف على مسيرة يومين إلى جنوبهم ، أعدوا معسكرهم للحرب . إنضمت إلى الجيش مجموعات قوية حسنة التسليح من المعدان ، قدمت من وادي الفرات ، فاستقبلوها بهجمات وهمية وطلقات البنادق . أما النيران الكثيفة ، التي سمعت أصواتها بعد أيام قليلة من بلوغ الجميمه ، وعزيت إلى وصول قوات جديدة ، فقد أطلقها في حقيقة الأمر جيش ابن رشيد ، الذي كان يقترب وعلى ظهر كل واحد من جماله رجلان . فوجيء العنزة ، ووجدوا بالكاد الوقت لجمع جمالهم . وبعد أن فروا جماعات جماعات من المعسكر مخلفين وراءهم نساءهم وأطفالهم ، تقدم العدو من الجهة الأخرى مقتحماً الممرات بين الخيام ، وأحجم عن ملاحقة مقاتلي القبيلة ، بسبب هبوط الظلام . نهبت شمّر المعسكر صبيحة اليوم التالي ، وسقط عدد كبير من الأسرى في يديها ، بينها كانت تركية أرملة شيخ المشايخ السابق سطام باشا ، التي أرسلها الوصي ، زامل السبهان ، مع كلمات استهزاء من نوري ، إلى الجوف ، مع النساء الأخريات اللواتي أعادهن إلى أزواجهن . لم يغير انتصار ابن رشيد الوضع على الحدود . واستمرت غزوات السلب والنهب المتبادلة بين الرولة والشمّر ، إلى أن بلغت الحرب العالمية شمال الجزيرة العربية . وقد وصفت في الصفحة 134من هذا الكتاب الوضع السياسي وموقف الرولة خلال الحرب . فبعد استيلاء الوهابيين على حائل ( تشرين الثاني 1921م ) ، إختفت مملكة شمّر التي تزعمها أبناء رشيد . وصارت جزيرة العرب ، التي توحدت من الآن فصاعداً تحت حكم آل سعود ، جار الرولة الجنوبي . في هذه الظروف المتغيرة ، إنقلبت علاقة الصداقة بين الجارين إلى نقيضها ، وبما أن الشعلان لم يرضخوا عن طيب خاطر لآل سعود ، صارت الحرب بينهما حتمية . باغت غزو وهابي ، اجتاز في أيام قليلة مئات كثيرة من الكيلومترات تفصل مناطق جزيرة العرب الداخلية عن وادي السرحان ، الرولة قرب واحة كاف صباح 16 أيار من عام 1922م ، غير أنها صدته وكبدته خسائر فادحة . ذلك كان انتصاراً عابراً لم يمنع ضياع الجوف نهائياً في تموز من العام ذاته ، سقوط كاف ، والتنازل في اتفاقية حدّا ( 2-11-1925م ) عن كامل أراضي قبيلة ابن الشعلان الجنوبية لآل سعود . تتمتع الرولة بتماسك تفتقر إليه قبيلة أخر ى من عنزة ، يرجع إلى الشخصيات القوية التي أنجبتها أسرة شيوخها . لكن هذا التماسك تراخى في العقود الأخيرة ، بسبب الدعاية الوهابية ، التي أثرت على الرولة أيضاً وأدت إلى تمزقها السياسي . عام 1916م ، إنضم الشيخ درزي ابن دغمي إلى آل سعود ، وتبعته قبيلته ، الدغمان ، عام 1922، حين احتل الوهابيون الجوف . ومع أن الرولة إعتنقت جميعها الوهابية بعد عام 1926م ، فإنها لم تستطع وضع حد لانقساماتها . منذ ذلك الوقت ، لم يعد الدغمان إلى سورية من جديد . ولم يقصد الكواكبة الشمال أبداً بعد عام 1925م ، رغم المكانة الخاصة التي كانت لهم هناك ـــ ولأسباب أخرى . يبداً ارتحال الرولة في شهر آذار من كل عام ، ويتم بصورة بطيئة جداً . وقد درجت على بلوغ مناطقها الصيفية خلال شهر حزيران ، ومغادرتها من جديد نحو الجنوب في شهر أيلول ، حيث تبقى من تشرين الثاني إلى آذار من العام التالي . تستخدم القبيلة طريقتين في ترحالها : واحدة يستخدمها في الآونة الأخيرة عدد قليل من أفخاذها ، تقود إلى النقرة عبر وادي السرحان ، وأخرى تمر بالحماد ثم تنقسم بمحاذاة دمشق وتذهب إما إلى الشمال نحو تدمر ومن هناك إلى القريتين ـــ الضمير ، من هناك النقرة والجولان ( الشيخ مروراً بالفرقلس ، ويتوغل من حين لآخر إلى داخل البقاع . تراجعت تربية الجمال تراجعاً شديداً منذ نهاية الحرب لدى الرولة ، لأن الطلب عليها تناقص بشدة . في السابق ، كان الرولة يبيعون من ثلاثين إلى خمسة وثلاثين ألف جمل في الجولان . بينما باعوا عام 1927م قرابة اثني عشر ألفاً منها ، قبل أن ينزل العدد إلى حوالي ثمانية الآف فقط . أما الضرائب التي كانت تجبيها ، فلدينا عنها رقمان هما : 3500 ليرة تركية عام 1907م ، و 2000 ليرة عام 1908م . تسلحت الرولة في أعقاب الإنسحاب التركي ( 1918م ) ، ويمكن القول إنه يوجد في كل واحدة من خيامها بندقية حديثة الطراز ، فضلاً عن ثلاث رشاشات تمتلكها القبيلة ذاتها . ثمة عروة وثقى تشد المحلف ، ( السوالمة ، والعبدالله ، والأشاجعة ) إلى الرولة . بل إن القبيلتين شكلتا إلى بداية القرن التاسع عشر قبيلة واحدة هي الجلاس . يخيم المخلف عادة إلى الشمال من الرولة .

أسرة شيوخ الرولة

غدت أسرة ابن الشعلان أكثر أسر الشيوخ شمال جزيرة العرب أهمية ، وهي مكانة لا تعود إلى نبالة موروثة ، بل ترجع إلى السمعة التي اكتسبها شيوخها فيصل ، وسطام باشا ،و النوري ، خلال حكمهم الطويل . هناك حكاية طويلة تقول : كان شعلان راعياً فقيراً يعمل في خدمة المرعض ( ب lll1 ) . وبينما كانت الرولة تنصب خيامها ذات مرة قرب واحة في نجد تركت جمالها تلتهم الزرع ثم سرقوا خراف ومعز السكان ، ولكن سكان الواحة إستولوا على الجمال وهددوا بتركها تموت جوعاً . أراد شيخ البدو تسوية الموضوع بالحسنى ، لكن شيخ القرية رفض مفاوضة أحد غير شعلان ، الذي كان معارفه . وافق الأول على طلب الثاني وأعطى ختمه للراعي ، الذي طلب ضمانات من الفرجة والربشان بتنفيذ ما قد يتم الوصول إليه من اتفاق ، وحصل عليها بعد وقت قصير. عندئذ ، تم تبادل القطعان المسروقة ،و تخلى الفلاحون عن التعويضات التي كانوا قد طلبوها عن حقولهم المخربة . لكن شعلان احتفظ بالختم ، ثم تخلص بعد أربعة أعوام من الشيخ بمساعدة الفرجة والربشان وأهل الواحة ، وتولى قيادة الرولة . بهذة الطريقة ، إنتقلت المشيخة من القعقاع إلى الشعلان .

تنقسم عشيرة الشعلان إلى خطين رئيسين : المشهور والعبدالله . وقد أزاح العبد الله المشهور في مطلع القرن التاسع عشر . ومع اننا لا نمتلك معطيات أكثر حول هذا الحادث ، فإننا نعرف انه سبب جفاءً عميقاً بين الأسرتين استمر إلى أيامنا ، وتحول في منتصف القرن التاسع إلى حرب دامية حسمتها موقعة تل الجو خدار ( 1858م ) ، التي أعقبها تخلي المشهور عن شيخهم الأكبر فيصل بن نايف ابن عبدالله ، وانضمامهم في اليوم التالي إلى ولد علي . وفي هذه الأجواء ، أمر فيصل بقتل برجس المشهور ، ثم سقط هو نفسه عام 1864م ضحية عمل ثأري . لم يعرف الشعلان تعاقباً وراثياً ثابتاً : فقد أعقب فيصلا ابنه طلال ، ثم أخوه هزاع ، وأخيراً ابن أخيه سطام ، الذي كان والده حاكماً قبل فيصل . عرف سطام ، الذي حكم منذ أواسط السبعينات ، كيف يستخدم طريقته الرصينة للحفاظ على مصالح الرولة رغم تعاظم نفوذ الحكومة على البدو . وقد تلقى لقب الباشوية وبعض القرى هدية من السلطان عبدالحميد ، وقد زرته شخصياً عام 1899م في النقرة . مات سطام باشا في شتاء عام 1901م في فروع الوديان ، في منتصف الطريق بين دمشق ونجد ، تاركاً وراءه أربعة أبناء هم : مشعل ـــ أمه ثقلا بنت فايز بن تركي ابن مهيد ، وطراد ـــ أمه من قبيلة السرحان ـــ . تولى مشعل ، الابن الأكبر ، الحكم بموافقة الحكومة ، رغم أنه تخطى أبناء هزاع ، سلف سطام : فهد والنوري . كان مشعل يخيم حتئذ مع فهد ونوري ، فانفصل الآن عنهما ولازم زيد والمجول ، فخذي الشعلان ، اللذين دعما ترشيحه بقوة . وقد أخفقت جميع مساعي فهد ونوري لا جتذابه من جديد إليهما . ذهب مشعل ، ذات يوم ، إلى دمشق لأمر يخص القبيلة ، يصحبه خمسة فرسان من الرويشدات ، فتبعه نوري برفقة اثني عشر محارباً إلى أن أدركه في اليوم الرابع عند الصيقل ، على مسير ست ساعات من الضمير . سقط مشعل في تبادل إطلاق النار الذي تم بين الجانبين ( 1902م ) ، فسارع نوري إلى العودة كي يستولي على المركب ، علامة المشيخة . لكن تركية ، أرملة سطام ، عارضته ، بدعم من زيد ومجول ، وأجبرته على الأنسحاب من المكان ، ثم سافرت إلى دمشق كي تعين ابنها خالد في منصب الشيخ . من جانبهما ، ذهب نوري وفهد إلى هناك لتمرير مطالبهما . فرض الوالي ـــ ناظم باشا ـــ متصرف حوران ـــ إبراهيم فوزي باشا ـــ البتّ في الأمر ، لأن الرولة كانت آنذاك في مقاطعته ، فنظم استفتاءاً بين قادتها في الجوخدار ، قرر تعين فهد شيخ المشايخ وألزمه بدفع 300 ليرة تركية سنوياً كتعويض إلى منافسه خالد . بقي فهد أعواماً ثلاثة سيداً أوحداً للقبيلة . لكنه تشاجر عام 1904/1905م مع نوري ، الذي سعى بدوره إلى الحصول على تعويض مرتفع منه . إتجه الرجلان ، بمجرد أن قادهما الصيف من جديد إلى ضواحي دمشق ، إلى الحكومة ، حيث حاول كل منهما تقديم عرض ضريبي يغريها بمبالغ أكبر ، علّه يكسب بذلك دعم الوالي ، الذي حدد من جانبه عائداً ضرائبياً إجمالياً قدره ثلاثة آلاف ليرة تركية ، جعلهما مسؤولين كلاهما عن دفعه مناصفة ، وترك لهما اقتسام ما يفيض عنه من مدفوعات الرولة . بعد عودتهما إلى مضارب القبيلة ، دعا نوري أخاه فهد ، الذي كان قد أرسل أبناءه لجباية الضرائب ، وأمر رميح ابن المعبهل بقتل فهد خارج الخيمة عقب تناول طعام الغداء . وكان نوري قد استولى في الليلة ذاتها على المركب ووضع يده على قطعان فهد ، التي ضمت ثلاثة الآف جمل وأحد عشر حصاناً . فر أبناء القتيل إلى رشيد ابن سُمير ، شيخ ولد علي في عين ذكر ، وذهبوا من هناك إلى دمشق لإقامة دعوى قضائية . أجبر الوالي نوري على رد قسم من الممتلكات ، لكن السلام لم يستتب بين أسرتي الأخوين ، قد حاول أبناء فهد مرات كثيرة الثأر من نوري ، لكن محاولاتهم أخفقت أول الأمر ، ثم أدت إلى هزيمته بعد بضعة أعوام .
إنفجرت عام 1909م اتفاضة درزية قمعها سامي باشا ، الذي ألزم الدروز بتسليم أسلحتهم ، ومنع ، في الوقت نفسه ، البدو من الإنقضاض عليهم ، لأنهم أصبحوا شعباً أعزل . عندما اختطفت الرولة في شباط من عام 1910م عدداً من قطعان الدروز ، وتعرض نوري للمساءلة ، رغم أن برد الشتاء أودى بالقسم الأكبر من المواشي ، وأنه لا يستطيع ، لهذا السبب ، رد القطعان المسروقة . عندئذ ، أمر سامي باشا باعتقاله وتسليم قطعانه إلى الدروز ، وعين فارس ، الابن البكر لفهد شيخ مشايخ الرولة . بعد موت سامي باشا ، في العام ذاته ، شعر فارس أنه لم يعد آمناً ، ففر إلى رشيد ابن سُمير ، الذي كان يتعاطف علناً مع أبناء نوري ، الذي كانوا في هذه الأثناء قد تقربوا من أبناء سطام أيضاً ، وجد فارس نفسه معزولاً كلياً . وأخيراً هرب وتخلى عن المركب ” المشيخة ” ، لتعود قيادة القبيلة من جديد إلى نوري ، الذي صالحه عندئذ .
وكان قد صدر عفو عن نوري عام 1912م ، قبل فترة قصيرة من نشوب حر البلقان ، توطدت مكانة نوري منذ ذلك الوقت ولم تتعرض لأي اهتزاز ، بل إنه منح لقب الباشوية فيما بعد ، ودأب في الآونة الأخيرة على أن يكنى بـ ” الأمير ” . جمع نوري ثروة خاصة كبيرة ، رغم ضياع واحتي الجوف والكاف ، فهو يمتلك بيتاً في دمشق وأراضي وسيارات عديدة . وقد قدم موزيل في مواضع كثيرة من كتابه الجديد حول رحلاته ، وخاصة في البند الخاص بالرولة معلومات دقيقة عن أوضاعه المالية قبل الحرب ، تخبرنا أن مصادر دخله الرئيسة كانت واحة كاف ، حيث يوجد وكيل ينوب عنه ( هو من العبيد بطبيعة الحال ) ، يقدم له كل عام ضرائب تبلغ خمسمائة مجيدي ، مع أنه ـــ نوري ـــ لا يملك ، على ما يبدو ، أرضاً في الواحة ، بعكس أبناء عائلات الشعلان الأخرى كعائلة سطام وطلال . وعادت الإضافة التي فرضها على ضرائب الحكومة بربح هائل عليه ، قدرته مصادر رسمية بـ 12% لكنه رفعه إلى أن بلغ قرابة خمسين بالمائة من قيمتها ، كما يقال ، وهو سلوك يقال إن الشيوخ المحليين احتذوه فيما يتعلق بالضرائب التي تؤديها قبائلهم . تلقى نوري أيضاً بعض المال من الأتراك ، الذين ما لبثوا أن زادوه كثيراً إبان حكم الملك فيصل . بالإضافة إلى ذلك ، يجب أن لا ننسى الخوّة المفروضة على المرور في وادي السرحان ، ونصيبه من الغنائم ، عائدات قطعانه ، التي كان يبيع منها كل عام من عشرين إلى ثلاثين جملاً ، ومن أربعة إلى خمسة خيول . هذه الواردات قابلتها نفقات تصل إلى حوالي 1200 ليرة تركية ، صرفت من أجل شراء مواد غذائية وعلف خيول وثياب وخيام وذخيرة ، دون حساب نفقات الهدايا والضيوف . أخيراً ، كان نوري يدفع حصصاً من الإضافات الضريبية تذهب إلى زعماء عائلات سطام ( 150ليرة تركية ) ومجول ( 20 ليرة تركية ) ومشهور ( 50 ليرة تركية ) . رغم دخله المرتفع ، عاش نوري حياة غير مريحة في الصحراء . ذلك أنه فقد سلطته على عائلته ، بينما انهمكت نساؤه وعبيده في سرقته ، فلم يبق لديه بالكاد أية فرصة لقضاء لحظة هانئة في خيمته ، أو لتناول طعامه بهدوء . إستقر نوري بعد الحرب العالمية في دمشق ، حيث تعرضت صحة الشيخ الذي تخطى الثمانين إلى متاعب شديدة في سنواته الأخيرة ، حتى أن المرض كان قد فتك به عام 1929م ، عندما قابلته في بيته الدمشقي ، الذي امتنع تماماً عن الخروج منه. لم يبق من أخلاف نوري المذكور غير حفيده فواز ، الذي كان شبابه بدوياً حقيقياً ، ثم تعلم عادات أوروبا الحسنة والقبيحة ، بعد أن زارها مرتين . وهو اليوم نائب الرولة في البرلمان . يعتبر ابن أخ نوري مقحم بن محمد أكثر الشعلان اجتهاداً ونشاطاً .

الفدعان

حصل الفدعان خلال الهجرة الكبيرة على مراع صيفية في المنطقة إلى الشرق من حلب وحماه . ومر حوالي مائة عام دون أن يكدر صفو امتلاكهم هذه البقعة مكدر ، ثم اجبرتهم عوامل كالنمو السكاني المتزايد والزراع المتعاظمة على النزوح نحو الشرق . اما الدافع الأول الذي حملهم على الهجرة فهو حرب الاخوة ، التي نشبت بين المجموعتين اللتين ينقسم الفدعان إليهما :اي الولد والخرصة وارغمت الأخيرة على عبور الفرات عام 1800 م والبقاء على الجانب الاخر منه ، داخل بلاد الرافدين. لكن الولد لحقت بهم مع نهاية القرن ، رغم انها لم تتخل ، مع ذلك ، عن منطقتهما السورية ، التي ما لبثت ان اخلتها شيئا فشيئا بعد الحرب العالمية. وما ان جاء عام 1935 م ، حتى كانت قبيلتا الفدعان والسبعة تقيمان مضاربهما في الجزيرة الشرقية . يقع مركز الولد في عين عيسى ، الى الغرب من اعالي البليخ الذي يشكل مجراه حدودهم الشرقية تقريبا . بينما تتخطى الخرصة البليخ وتصل الى الخابور تقريبا . تجتاز القبيلتان مطلع ايلول من كل عام الفرات الى الصحراء السورية . بعبورهم الى بلاد الرافدين ، جاورت الفدعان الشمريين المقيمين هناك . صحيح انه لم يقع بينهما نزاع على مناطق الرعي ، لان شمر تنصب خيامها على الخابور بوجه عام ، لكن حالة الحرب الموروثة منذ قديم الزمن بين القبيلتين تواصلت ، وان قطعتها في بعض الاحيان اتفاقات معينة بين مجموعات خارجة عليهما طلبت خرصة نفسها حماية شمر حين اجتازت الفرات لاول مرة . كما تواصلت غزوات السلب والنهب المتبادلة بين الجانبين بعد الحرب العالمية ، الى ان وضعت سلطات الانتداب الفرنسية حدا لها ، حين فرضت في تشرين اول من عام 1926سلام دير الزور على القبائل . اخذت القبائل الصغيرة على البليخ ، كالبوعساف والمشهور ، تدفع الاتاوات الى الفدعان ، وكانت الولدة والبوخميس قد سبقتها الى ذلك في سورية . بالمقابل حافظ الجيس الاقوياء (حول حران) على استقلاليتهم . اما جيرانهم الشماليون في اتحاد الملي الكردي، الذين اتخذول من ويرانشهر مركزا لهم ، فلم يجرؤ الفدعان على التحرش بهم الا نادرا . قرر الصراع بين البشر والضنا مسلم سياسة الفدعان في سورية ، الذين جعلوا من انفسهم اعداء ألداء للرولة ، وخاضوا عام 1877م حربا ضدها سنعرج لاحقا على صلتها بمصير شيخي الفدعان جدعان وتركي بن مهيد- انتهت الى اتفاقية سلام احتفالية عام 1900م ، ولم تحل بدورها دون وقوع غزوات متكررة بين قبيلتي عنزة هاتين ، في فترة قيامنا بحفريات تل حلف (1911-1913م) 00و مع ان الحرب العالمية ادت الى شيء من الانفراج في علاقة القبيلتين ، فان هذه ما لبثت أن تكدرت من جديد . أراد الفرنسيون تطبيق سلام دير الزور على الفدعان والرولة انضا ، لكن هذا لم يصمد طويلا . عندما حدثت اصطدامات بين الرولة والسبعة في شباط من عام 1929م، انحاز الفدعان فورا الى الاخيرين ، لذلك يستبعد ان يدوم السلام الاحدث ، الذي عقد عام 1930م بينهما ، فترة طويلة . لم تخل حياة الفدعان من توترات سياسية داخلية ، نظرا لاستقلال الولد والخرصة ولان علاقات اسر شيوخهما ، ابن مهيد وابن قعيشيش ، ليست في احسن حالاتها . وقد مرت القبيلتان في اوضاع حربية احيانا ، كما حدث عام 1921-1923م اثناء الحرب العالمية ، انضمت مجموعة جديدة الى المجموعتين القائمتين ، تشكلت حين تبع قسم من الولد الشيخ الشاب مقحم ((مجحم)) ابن مهيد ، وبقي قسم اخر على ولاءه لخاله حاكم ((حاجم)) . برزت المجموعات الثلاث ، في الفوضى التالية للحرب ، كمجموعات منفصلة بعضها عن بعض فانضم ولد الشيخ مقحم ((مجحم )) الذين كانوا يخيمون على الجانب الايمن من الفرات ، الى الفرنسيين ، وعندما احتل هؤلاء حلب عام 1920م .وانحاز حاكم ((حاجم)) بالمقابل الى القوميين الابراك، الذين عملوا منذ خريف عام 1919م ضد الفرنسيين شمال سورية وبلاد الرافدين . اما مهيد بن قعيشيش ، شيخ الخرصة وعدو الفرنسيين المعلن فقد حالت الغيرة القبائلية بينه وبين الانضمام الى حاكم ((حاجم)) .تمسك شيخا الولد بسياستهما فقام حاكم (حاجم) منذ بداية عام 1921م بازعاج الفرنسيين انطلاقا من معسكره في الرقة بينما غطى مقحم ((مجحم)) القوات الفرنسية الضعيفة المرابطة في موقع دير الزور البعيد . اما الشيخ مزود فقد تخلى عن موقفه المستقل والتحق في ايلول من العام ذاته بالمعسكر الفرنسي . وكانت الخرصة قد قامت قبل اشهر من ذلك باعمال عدائية ضد ولد حاكم ((حاجم)) فقد مزود احد اولاده خلالها .بعد اتفاقية انقرة (تشرين الاول عام 1921م) التي اعادت السلام من جديد الى حدود سورية الشمالية انتقل حاكم ((حاجم)) بن مهيد وانصاره الى الاراضي التركية ثم التحق في وقت لاحق بالفرنسيين ولان مجموعته خيمت فيما بعد بين قلعة جعبر وجبل عبد العزيز ، في منطقة الانتداب الفرنسية ، الى ان انحلت بموته عام 1927م. تعززت كثيرا سلطة الحكومة على الفدعان في السنوات الاخيرة: فامكن عام 1928م استبدال ضريبة الودي (1) بضريبة عينية تدفع غنما (2) وكانت تقتصر في العصر التركي على قبائل يصف الرحل دون غيرها. فضلا عن ذلك فإن الولد يصبحون يوما بعد يوم اميل الى الهدوء والسلم بينما يحافظ الخرصة على طبيعتهم البدوية .

شيوخ الفدعان

أسقطت أسرة ابن غبين أسرة شيوخ الفدعان القديمة ، حوالي منتصف القرن التاسع عشر . ومنذ ذلك الحين يفتقر الفدعان إلى قيادة موحدة مع أن أسرة شيوخ الولد تمارس نفوذا قويا على القبيلة بمجموعه .
ينحدر المهيد من اصول تتمتع بقدر عظيم من الاحترام . ويدينون بسلطتهم الى جد الشيخ الحالي جدعان الذي انتزع في الخمسينيات وهو شاب بعد السيطرة على الولد من جاعد بن حريميس . امضى جدعان حياته في حروب متواصلة .فقد كان قائدا حربيا بالولادة ، اظهر حنكة خاصة خلال هجوم مباغت شنه على الاتراك عام 1857م ،ومن ثم عندما اجتاز يقبيلته وقطعانها الفرات ، وانزل ضررا شديدا بالعدو . ثمة مسحة من الرومانسية تميز علافة جدعان بعبد الكريم ، شيخ شمر: ذلك ان ثأرا دمويا اضطر والد جدعان الى طلب الحماية في خيمة صفوق زعيم شمر ، فترعرع جدعان وعبد الكريم معا .حافظ الرجلان على اواصر الصداقة التي انعقدت في شبابهما رغم المعارك التي اضطرا الى خوضها ضدبعضهما البعض .ويحكى ان عبدالكريم اهدى جدعانا حصانا سريعا كان قد انقذ حياته خلال معركة فاشلة مع الفدعان وارفقه برسالة تقول انه سيعرف كيف يثار لهزيمته وهو ما حدث في الاشتباك التالي ، الذي نجا جدعان خلاله بفضل هدية عدوه النبيل . بلغ جدعان اوج فوته في سبعينيات القرن حين صار قائم مقام العربان في حلب ونال لقب البيك المرتبط بهذا المنصب وتلقى قرى واراضي عديدة في جبل شبيث من الحكومة .انتهت حياة جدعان مثلما بدات بالحرب : فقد جاءت الرولة عام 1877م الى الشمال حيث تكاثرت قطعانها بفضل سنوات من الرعي الجيد وصارت منطقتها اضيق من ان تفي بحاجاتها واحتلت مراعي السبعة في حماه و، بعد ان نالت موافقة السلطان عن طريق دفعات بلغت ضعف ماكان السبعة قد حددوه من رسوم للتسوق والرعي . عندما ارادت السبعة الدخول الى المنطقة طردتهم قوات تركية مسلحة ونهبت معسكرهم. عندئذ عينوا جدعانا عقيدا لهم بسبب افتقارهم الى قادة ملائمين وبدأوا الاعمال العدائية ضد الرولة التي حاولت تكرار ماقامت به في العام المنصرم خلال رحلة ربيع عام 1878م، فوجدت الطريق مغلقا واضطرت الى التخلي عن مشروعها ولم يشهد جدعان نهاية هذه المعارك لانه توفي مطلع الثمانينيات.
واصل تركي ابن جدعان الجرب ومنذ ان كان فتى شحن صدر ابيه بالغم بسبب تخيلاته وميله الى المبالغة في تقدير نفسه(2) واثار تركي الرولة بغزواته ودفعها الى طلب دمه. وقد وجد صهره الاريب سطام بن الشعلان نفسه مكرها على القيام بهجوم معاكس وارسل الى تركي يبلغه سرا بالخطر المحدق به. لكن هذا استخف بالتحذير وقبع في معسكره ينتظر بهدوء قوى العدو المتفوقة . وقد سقط في عراك بالسلاح الابيض (1887م)وصفه شاعر الرولة خلف الاذن في ابيات مفعمة بالمبالغة ، تزعم انه هو الذي عاجله بالطعنة القاتلة . استعرت بعد موت تركي الحرب بحدة وبصورة مضاعفة ، وفشلت الرولة في اقامة السلام من بعده . ولم يعقد الصلح ويتم التغاضي عن الدم المسفوح (1900م) إلا بعد تدخل \”المحايدين\” من أمثال ابن مرشد وابن هذال . رفضت اخت تركي \”رفعا\” التنازل عن حقها في الثار .وعندما علمت ان احد قتلة تركي حل في معسكرها، انقضت عليه على خيمة الضيوف ورمته بطلقة من مسدسها فاصابته بجرح خطير .
خلف تركي وراءه ولدين صغيرين مقحم((مجحم)) ومحمد وابن عم في التاسعة عشر من عمره هو حاكم((حاجم)) الذي ترعرع في خيمته. هذا القريب نصبته اسرة مهيد شيخا لها كما اعترفت به الحكومة ايضا ثم تلقى في وقت لاحق الالقاب ذاتها التي كانت لجدعان .تتضمن وثائق تنقيباتي في تل حلف الأنطباعات التي حصلت عليها عندي زيارتي لحاكم .وقد قال جابر فيها : إن العلاقة بين حاكم((حاجم)) وقريبة الفتى الذي كان يجب ان تؤول المشيخة اليه قانونيا، كانت طيبة جدا حين زرتهم في معسكر عين عيسى (في ايار من عام( 1913م) . كان حاكم ((حاجم)) متزوجا بابنة فارس شيخ شمر بعد ان طلق زوجتين سابقتين كانتا ابنتين لتركي، فعاشتا في خيام اخوتهما.وكان رجلا متوسط القامة، له لحية سوداء مدببة وطليقة نحيف الجسم مع انحناءة خفيفة في الظهر كيس وذكي وحكيم. انه القائد السياسي بينما يحتل ابن عمه الشاب محمد موقع العقيد بمظهره الذي يدل على انه رجل حرب حقيفي . أما شقيقه الأكبر مجحم فيعطي انطباعا بأنه بارد الأعصاب إلى ابعد الحدود. وعلى رغم انه لا يشارك إلا قليلا في الحروب فان اسمه يرد كثيرا في تاريخ قبيلته والبدو الآخرين\”.
تولى مقحم ((مجحم)) بالاتفاق مع حاكم((حاجم)) قيادة قسم من القبيلة قبل الحرب مباشرة. وقد تكاثر انصاره بسرعة الى درجة يمكن معها اعتباره الزعيم الحقيقي للقبيلة باجمعها. وفي الوقت الذي قرر فيه حاجم خوض الحرب من اجل مملكة فيصل السورية ثم انحاز فيما بعد الى القوميين الاتراك ايد مجحم الانتداب الفرنسي(2) وتلقى وسام الشرف وعين في خريف عام 1920م زعيم عنزة حلب، أي قبيلتي الفدعان والسبعة مجتمعتين. ولم يستطع مقحم((مجحم)) انجاز المهمات التي توقعتها الحكومة منه، لجهلها التام بنفوذه الفعلي وان نجح بالمقابل في وضع مجموعة الفدعان الخاصة به تحت تصرف الفرنسيين . بقيت علاقات مقحم عادية مع حاكم ، بل إنه ارسل له خلال الحرب قوات تشد أزره وتسانده ضد الخرصة . بعد وفاة الاخير [ 31\\12\\1927م ] صاحر مقحم [ مجحم ] زعيم الولد الوحيد والشيخ الأكثر أهمية للفدعان . بالإضافة إلى ذلك ، تمتمع بنفوذ بيته التقليدي على السبعة ، وخاصة منهم العبيد ، واعتبرته القبائل الصغيرة قرب الباب ومنبج والتي كانت تودع قطعانها في الشتاء عند الولد ، قائدا لها . يمتلك مقحم إلى جانب ماورثه من أملاك عن جده جدعان قريتين على الفرات . وقد اشترى مؤخرا أرضا على البليخ قرب عين عيسى بنى بيتا فيها . يتمتع الشيخ بثقة حكومة الإنتداب ، التي تمده بالمال رغم انتسابه إلى الحزب القومي منذ وقت طويل . وهو اليوم [ 1937م ] كما كان في الماضي ، نائب في البرلمان .
تمتلك أسرة شيوخ الخرصة [ ابن قعيشيش] كمنافسيها من أل مهيد تقاليد قديمة ، إلا اننا لا نعرف غير ثلاثة أجيال منها فقط .
قاد دحام الخرصة حوالي عام 1860م عبر الفرات(1) وحكم نايف في نهاية السبعينيات (2) وتنازل حاكم عام 1913م عن المشيخة لمذود. وتقول وثائق البعثة ما يلي حول هذه الواقعة:\”عندما زرت عام 1913م الخرصة في معسكرها في عين البيضا، جنوب عرب جبل عبد العزيز كانت المشيخة لا تزال لابن عم مذود حاكم بن نايف الذي كانت مكانته قد اهتزت كثيرا انذاك. وكانت العلاقات التي اقامها مع حاكم بن مهيد، غير مقبولة في نظر الخرصة العريقين وخاصة منهم ابني عمه مذود وسليمان. اقام مذود روابط جد وطيدة مع الاتراك وفرض عام 1912م ضم الخرصة إلى دير الزور . وكانوا تابعين إلى حلب كغيرهم من الفدعان ، الأمر الذي أضعف سلطة حاكم بن مهيد وحاكم بن نايف ، يفسر هذا لماذا كانت علاقة الخرصة مع الفدعان باردة ، ولماذا تقاربت مع شمر ، لا بل أنها ذهبت عام 1912م م مع قريبها محمد الشيوخ شيخ شمر الى هترة.
خلال اقامتي في عين البيضا، تعرفت فقط على سليمان ابن قعيشيش شقيق مذود النشيط والكثير الحركة والذي كرس نفسه للشؤون الحربية. فيما بعد التقيت في الرقة بمذود وابن عمه حاكم.
منذ حصوله على المشيخة اكتسب مذود صيت قائد جسور كما يؤكد ذلك لقب \”النمر\” الذي لازمه. وقد تحدثنا اعلاه عن سيايته بعد الحرب .
سبعـــــــــة
رغم ان السبعة ليسوا اقل عددا من الفدعان فان قوتهم السياسية والعسكرية محدودة.لذلك كثيرا ماتركوا عبء المعركة للفدعان خلال الحروب التي نشبت بين الضنا مسلم والبشر. وانه لأمر ذو دلالة ان المفوض السامي الفرنسي لم يتدخل في أحدث اشبتاك نشب بين الرولة وبينهم (شباط 1929م) الا بعد انخراط الفدعان في المعركة يقترن هذا النفور من الحرب بنقص في تماسك القبيلة،التي تفتقر الى شيخ أعلى ولا تشكل مجموعتا ابن مرشد وابن هديب اللتان تسميان عادة القمصة والعبدة وحدات تقوم على رابطة الدم،كالولد والخرصه لدى الفدعان بل هي تجمعات نشأت بالاحرى بالمصادفة الصرفة.
تفوق اهمية السبعة الاقتصادية اهميتهم السياسية فهم مربو جمال وخيل موهوبون. وقد بدات القمصة تمارس مؤخرا الزراعة الحقلية وأعادت تشغيل منشآت ري قديمة شرق سلمية. تعتبر حماه سوق السبعة التي يمضون الصيف بقربها: العبدة الى شمال شرقها والقمصة الى جنوب شرقها. في الخريف ترحل السبعة من سلمية عبر اسريه وقديم الى السخنه(قمصة) او الى جبل بشري (عبدة) ومن هناك الى الصحراء السورية (وادي المياه-وادي حوران، واحيانا حتى وادي الغدف).
لا تتمتع أسرتا شيوخ السبعة من ابن مرشد وابن هديب بأية شهرة خاصة . أما أخر شيوخهم المهمين ، فهو سليمان ابن مرشد ، الذي توفي حوالي عام 1875م بسم يزعم ان حاكم دير الزور أمر بدسه له . وليس هناك الكثير مما يمكن ذكره حول خلفائه .
كان الشيخ راكان . [ وهو راكان بن بشير بن هزاع بن سليمان المرشد ] الشاب المنفتح الأفكار . وقد بذل جهودا حثيثة من أجل توطين قبيلته ، وتزوج من أحدى بنات نواف ، شيخ الحديديين السوريين ، وانتخب عام 1936م نائبا في البرلمان . ليست قبيلة ابن هديب من عنزة . إنما من حرب وتربطها صلة قرابة بأسرة الفرم
احدى اسر شيوخ هذه القبيلة الحجازية الكبيرة. هذا مايدعيه على الاقل حرب من بلاد الرافدين . يعتبر فارس اول شخص من ال \”ابن هديب\” الذي يورد الرحالة اسمه في تقاريرهم. وقد توفي عام1869م(1) بعد ان بلغ من العمر عتيا.اما خلفه الثاني فرحان بن معجون فكان شخصية جذابة انقلبت كياسته الى ضعف لدى ابنه الشيخ الحالي برجس بن فرحان الذي افسدته اقامة طويلة في مدرسة العشائر بالقسطنطينية وسنوات خدمة عسكرية طويلة كان خلالها ضابطا في الجيش التركي. ترك برجس انطباعا بائسا لدى موزيل، فحتى عبيده الخاصون كانوا يعصون أوامره . وقد بدد الثروة التي ورثها عن والده وبلغ من سوء حاله انه استعار في رحلته الخريفية عام1926م، الجمال التي نقلت خيمه.
عمــــــــارات
ليس في حوزتنا الكثير من اخبار العمارات. يرجع هذا الى قلة الزيارات التي قام بها الرحالة الاوروبيون الى منطقتهم في عمق هيت وكربلاء بالمقارنة مع الاجزاء الاخرى ن الصحراء السورية. تقدم الصحائف الوهابية بعض المعلومات حول تاريخ القبيلة الاقدم. وتخبرنا انهم كانوا يسكنون منطقة امتدت انذاك من النهاية الشمالية للدهناء الى سدير ومن جبال شمر الى شرق جزيرة العرب وقاتلوا منذ عام 1758م مع قبيلة بني خالد عدوة الوهابيين اللدودة. لكنهم غيروا موقفهم بمجرد ان تاكدوا من انتصار النحلة الجديدة تلك وشرعوا يقاتلون منذ علم1786م الى جانب الوهابيين.
بدأت هجرة القبيلة بعد ذلك بقليل فقد انتشرت عام 1808م لاول مرة اقوال عن وجود العمارات في الشمال. ويذكر روسو قنصل فرنسا في بغداد بان المطارفة كانوا من بين البدو الذين يفرضون ‏ضارئب على طريق قوافل بغداد-حلب وبعد عشرة اعوام من ذلك تجمعت لدى الحكومة معلومات دقيقة عن الصقور الذين \”يخيمون غالبا في منطقة حلب لكنهم يتمونون كل عام في الحلة والحسكة(الديوانية)\” بقيت علاقات المهاجرين بموطنهم حية لذلك قاتلت اسرة شيوخ ال هذال من عام1812 م الى1815م في الحجاز وفي القصيم خلال العشرينيات ضد قوات الاحتلال المصرية/التركية.
لم تنقطع اواصر العمارات مع جزيرة العرب الا بعد عام1860م حين غادرت مجموعة ثانية كبيرة منهم المنطقة بين القصيم والدهناء واتجهت شمالا.
منذ ذلك الوقت يمكن اعتبار (wadi el cherr) وادي الشر الذي يبدا غير بعيد عن النفود وينتهي في مستنقعات النجف حدودا جنوبية للعمارات. وان كانت بعض اقسامها(الدهامشة)تتجاوزه الى الجانب الاخر ويبدو ان الحدود السورية صارت الان مانعا امام حركتهم هم الذين كانوا يصلون في السابق الى الرقه وضواحي حلب .
تشكل اراضي غرب كربلاء مع واحتي رحالية وشثاثه منطقة العمارات المركزية الذين يمضون الشتاء في الوديان المنحدرة من السفح الشرقي لهضبة الصحراء السورية ويتوغلون في الربيع شمالا الى القعرا الذي يخليه الفدعان والسبعة في هذا الوقت ويقودهم الترحل في نهاية الصيف الى ما وراء الفرات ، بين الفلوجة وبغداد قبل ان يعودوا من هناك الى مقراتهم الشتوية مرورا بكربلاء.
تحدد موقع العمارات في تحالفي عنزة منذ ان قاموا بتقدمهم في الصحراء السورية لمنع ضنا مسلم من الوصول الى الفرات ففي اخر اصطدام بين المجموعتين وقفت العمارت الى جانب الفدعان-السبعة ضد -الرولة- لم يقم أي تماس الا نادرا بين الاتراك والعمارات لان هؤلاء كانوا يخيمون معظم السنة داخل الصحراء ويمضون اغلب وقتهم في امارة حائل.
بعد وفاة الامير محمد بن رشيد (1897) قام الشيخان فهد بن هذال وعقيل بن مجلاد بالتعاون مع بطين بن مرشد من السبعة بغزوة ضد شمر انتهت بهزيمة نكراء نزلت بهم قرب تبال ((تيبال)) (على مسيرة اربعة ايام غربي كربلاء) وسوف نتحدث عن عملية اخرى في فصل الرولة.
ينقسم العمارات الى عمارا ت بالمعنى الضيق (جبل) وهم قبيلتا صقور وسلقا اللتان يتزعمهما ابن هذال والدهامشة بزعامة ابن مجلاد. يفتقر الجبل والدهامشة كلاهما الى ارادة سياسة موحدة وقد فصم شرخ تم خلال الحرب العالمية ماكان بينهما من عرى حين التحق الشيوخ المعترف بهم فهد ابن هذال وجزاع بن (راكان) بن مجلاد بالانجليز. تبع ابن هذال اخر هو فهد بن ضغيم ومحمد بن (تركي) بن مجلاد الجانب التركي عندما نصب الانجليز بعد الحرب فهد بن هذال زعيما على مجموع العمارات. هاجر فهد بن دغيم مع انصاره وابنا مجلاد مع الدهامشة شمالا وانتقلوا في صيف عام 1920م الى منطقة الانتداب الفرنسية ومع انهم عادوا من جديد الى ماوراء الحدود في الشتاء فانهم رجعوا عام1921م مجددا الى البادية التدمرية .لكن حكومة العراق نجحت عام 1925م في اعادتهم الى اراضيها .
أسرة شيوخ ابن هذال
يرجع التاريخ المثبت لقبيلة ابن هذال الى عام1551م فهي اذن قبيلة قديمة.أما منصب الشيخ فيبدو انه تم تناقله بالوراثه من الاب الى الابن خلال الاجيال الخمسة الاخيرة وهذا حدث غير عادي او مالوف الى ابعد حد.عاش عبد الله في مطلع القرن التاسع عشر على الارجح وتظهره احدى حكايات كتاب فريزر:رحلات في كردستان وبلاد الرافدين … الخ(الجزء الاول،صفحة 381)في واحد من تنقلاته في منطقة الفرات الاعلى.وبينما تميز ابنه الحميدي كقائد جيش وهابي ضد المصريين عام1812-1815م فان عبد المحسن ابن الحميدي يدخلنا الى عمق القرن التاسع عشر ويصل ابنه فهد بنا الى الزمن الحالي.كان فهد بيك سياسيا رصينا واريبا عينه الاتراك كأبيه قبله قائمقاما على الرزازة ،حيث عاشت اسرته الموسرة وقد رافق عام 1905م حملة عسكرية تركية من النجف الى القصيم، ,وقدم فيما بعد خدمات طيبة الى الانجليز الى ان مات يوم 28/8/1927م وهو في الثمانين من العمر .
حسنـــــــــــــة
الحسنة هي اول قبيلة من قبائل عنزة تحصل على حق المواطنة في سورية. حدث هذا في بادية تدمر التي كانت خاضعة حتى ذلك الوقت لسيطرة الموالي.ورث الحسنه منطقة انتشار سابقيهم وحق فرض الضرائب على قوافل طريق البصرة بغداد-دمشق وحلب وورثوا حق تقديم الجمال الى حجاج بيت الله الحرام هذه الموارد المتنوعة الى جانب تنظيمها العسكري الخاص مكنا الحسنه من تحقيق تفوق طويل الامد على ابناء قومها الذين جاؤوا المنطقة بعدها قبل ان يلعب عدد القادمين الجدد دورا رجح كفتهم بالتدريج الى ان نجح ولد على حوالي عام 1790م والفدعان و السبعة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في ازاحتها عن مواقعها منذ ذلك الوقت انحدرت الحسنة بسرعة حتى انها اعتبرت في السبعينيات \”خائفة\” من الحكومة واوشكت ان تذوب قبل الحرب العالمية في قبيلة ولد علي،التي كانت تربطها بها صلة قرابة وثيقة . لكن الشيخ طراد الملحم ، زعيم القبيلة النشيط ، نجح في وقف أفولها ، مستغلا الأوضاع التي تغيرت آنذاك لصالح مربي المواشي الصغار . فيما بعد ، توحدت قبيلتا الحجاج والمصاليخ مع الحسنة من جديد . بعد أن كانتا تميلان إلى قبيلة الولد علي . ومنذ عام 1923م انضم إلى طراد أقسام من النعيم والفواعرة ، وكذلك أنصار عمر الملحم ، لا عتقادهم أن حمايته لهم تقيهم من الغزوات . وفي رحلة شتاء عام 1925م 1926م انضم إلى الحسنة الجزء الأكبر من هاتين القبيلتين ، لكن هذا الدعم القوي خسرته القبيلة مرة أخرى عندما طالبهم طراد بدفع أتاوة مقابل حمايتهم .
لازال الحسنة في الطور الاول من التوطين. فهم رحل لكنهم يمتلكون قرى شرقي حمص، تزرع على يد ابناء القبيلة وبعض فلاحي الجوار. في الصيف يقيم جزء من الحسنة في اراضيهم وجزء اخر قرب بحيرة قطينة والى جوار بعلبك في البقاع. في ايلول وعندما تكون المراعي قد استنفدت ينقل هؤلاء خيامهم نحو الجنوب الى حسيه وصدد ليغادروا بعد شهر او شهرين المنطقة المزروعة الى الحماد عبر الحوارين والقريتين وعين البارده والهلبا. عموما لايتجوز الحسنه منطقة الطنف جنوبا وان كانوا قد اصطحبوا اعوام1925م/1926م و 1929م/1930م الرولة الى جبل عنازة .
أسرة شيوخ الحسنة
تعتبر اسرة شيوخ الحسنة التي يحمل افرادها اسم ابن ملحم المزيد قديمة جدا. وقد حافظت على احترامها وسمعتها الطيبة رغم التراجع الذي عرفته القبيلة. عاش الشيخ فاضل الذي ترجع الاسرة اليه في القرن الثامن عشر. وكان رجلا بعيد النظر ادرك اهمية الوهابية في طور مبكر وتواصل مع مؤسس مذهبها .
أما خليفته الثالث مهنا وابناؤه فعرفوا بفضل حكاية فتى الله (fatalla) الصغير الرومانسية التي اوردها لامارتين في\”رحلته الى الشرق\” وذكريات رحلة الليدي ستانهوب. بعد هؤلاء يصعب ايجاد شيء يستحق الذكر حول شيوخ الاسرة ذلك ان سعود ابن ملحم صار شخصا حضريا على وجه التقريب لم ير الصحراء الداخلية الا عندما كان فتى صغيرا ثم مرة اخرى وهو شيخ عند بدء الحرب العالمية مازال فندي ابن سعود على قيد الحياة(1929م) لكنه تنازل عن منصب الشيخ لطراد الشاب الذي سبق وتحدثنا عما قدمه للحسنة من خدمات جليلة يعتبر طراد صديقا للفرنسيين وقد انتخب عام 1936م نائبا في البرلمان.
ولـــــد علي
ولد علي هي القبيلة الوحيدة من قبائل عنزة التي يمكن تحديد طريق ترحالها بدقة كبيرة. فقد تبعوا طريق الحج القديمة التي تمر بتيماء وباير وازرق وقد كانت معان أول الأمر حدهم الشمالي الذي بلغوه حوالي عام1700م ثم صار فيما بعد قلعة الزرقا واخيرا سهل حوران الذي بقي مقرهم الصيفي الى يومنا هذا يمضي ولد علي منذ وقت طويل الشتاء في الصحراء السورية وكانوا يعودون من قبل الى موطنهم القديم في هذا الوقت من العام .تفسر روابطهم هذه مع الحجاز المهمة التي تولوها في النصف الثاني من القرن الثامن عشر اعني مرافقة قافلة الحجاج حتى مدائن صالح وتامين الجمال اللازمة لذلك بهذا العمل المربح وبحق الصرة بقي ولد علي لوقت طويل القبيلة السائدة حنوب دمشق. ولكن في منتصف القري التاسع عشر ادخل الى منطقتهم شركاء جددا هم الرولة الذين سعوا الى الحصول على حق الرعي في حوران.لا عجب اذن ان نشبت الحرب بين القبيلتين الصديقتين اللتين ربطتهما صلة قرابة وثيقة ايضا في 19 تموز من عام 1885م حاقت الهزيمة بولد علي في موقعة تل الجو خدار بالجولان لكنهم نجحوا بعد قليل في طرد العدو الى ما وراء وادي اليرموك بمساعدة سكان حوران مع ذلك لم تجد القبيلة طريقة تحمي بها نفسها من الرولة المتفوقة عدديا وتنظيميا فاضطرت اخيرا الى الاعتراف بحقها في الرعي. بسبب ما ترتب على هذا الاعتراف وعلى تعميم الزراعة مما ادى الى تقليص منطقة انتشارها بدات اعراض التدهور تظهر على ولد علي فقد بدات بالتخلي جزئيا عن تربية الجمال في السبعينيات وبدات تنتق ل الى الزراعة الحقلية في الثمانينيات وحين حرمها تشغيل خط الحجاز عام (1908م)من الامتيازات المرتبطة بالحج سقطت من صفوف قبائل الدرجة الاولى.مع ان الشيخ رشيد ابن سمير حاول احادة احيائها فان مسعاه ذهب ادراج الرياح.ثم فقدت القبيلة بعد موته تلاحمها فلم يبق في رعايا اسرة ابن سمير غير المستقرين من ابناء القبيلة بينما تبع قسم اخر من رحلها اسرة الشيوخ الثانية اسرة الطيار وانضم قسم ثالث الى الرولة.
تقع منطفة انتشار واسقرار ولد علي القديمة والحالية في النقرة بين نوى ومزيريب وتصل في الغرب الى نهر الرقاد أي الى اراضي الجولان(4) التي تنطلق منها في شهر آب لتتبع اطراف اللجاة في طريقها الى بحيرات المروج قرب دمشق حيث يقام بين قريتي الكفرين والجديدة سوق بني سمير الذي يستمر طوال ستة اسابيع فيعود بارباح وافرة على التجار الدمشقيين، و لكنه يضايق الفلاحين الى ابعد الحدود (1) من جانبها دأبت اقسام صغيرة من ولد علي وخاصة منها الطيار على قضاء الصيف في اراضي الحسنة الى الشمال من هذه المناطق. في وقتنا الحالي تخيم مجموعة الطيار من جديد قرب الضمير شمال شرق دمشق.
اس شيوخ ولد علي
تمتلك ولد علي اسرتي شيوخ مختلفتين مثلها في ذلك مثل الفدعان والسبعة والعمارات هما ابن سمير والطيار اللتان لا تتعامل أحداهما مع الأخرى بوصفهما قائدتين متساويتين لمجموعتين مستقلتين بهذا القدر او ذلك بل كشيوخ مشايخ وعقداء.
ذلك ماكان عليه الحال في السابق على الاقل ، اما مؤخرا فقد تطور لديهم تعايش شبيه بذلك الذي حدث عند القبائل الاخرى .
يدين ابن سمير بمكانتهم الى علاقة وطيدة تربطهم بباشاوات دمشق عامة والى العائدات التي يحصلون عليها من امتياز الحج خاصة. ليس بحوزتنا وصف للشيخ دوخي اقدم شيوخ ابن سمير. بالمقابل توجد تفاصيل كثيرة عن ابنه محمد الذي حكم ما يقارب نصف قرن اكثرها دقة ما كتبته الليدي بورتون
(حياة داخلية الجزء الاول،ص66) حول \”تاليراند الاسود\”الذي كان في الجزء الاخير من عمره رجلا مهيبا يبعث على الرهبة فرض احترامه حتى على الموظفين الاتراك.
توفي محمد عام 1895م ولحقه ثلاثة من ابنائه بسرعة الى الموت. اما رابعهم بندر فقد تولى الحكم عام1899م (رأيته يخيم انذاك في النقرة يجوار الرولة)
كان رشيد خليفة بندر على قدر عظيم من الاهتمام السياسي وان افتقر الى حسن التقدير وقد القى بنفسه بعد الحرب قي احضان الفرنسيين دون ان ينجح في حعل قبيلته تحتل موقع قياديا بالمقارنة مع قبيلة ابن الشعلان (الرولة) لذلك انسحب تملاؤه الخيبة الى عين ذكر قرية اسرته في الجولان حيث توفي عام 1922م اما ابنه عناد فليس اليوم اكثر من مجرد تابع لنوري ابن شعلان .
في عشرينيات القرن حاولت اسرة الطيار اضعاف سلطة آل \”ابن سمير\” بعد ان استقلت بمجموعة خاصة بها من القبيلة: في نهاية التسعينيات عبأ سطام ابن الطيار الذي اختلف مع فدغم ابن سمير حول اقتسام غنيمة حرب قسما من ولد علي.تدخلت الحكومة عندئذ واجبرت سطام على التنازل عن مطالبه وكلفته بمرافقة قافلة الحج بعائد قدره 60000 قرش على ان يتقاسمه مع احد اقربائه وسقط سطام عام 1901م في معركة مع الدروز تاركا وراءه ولدين هما محمد وسلطان مات اكبرهما بعد والده بقليل فتولى ثانيهما مشيخة قبيلته.
اعطى تنظيم سورية الجديد بعد الحرب العالمية سلطان الطيار فرصة متابعة خطط والده وقد اختار الوقوف الى جانب الملك فيصل وقاتل الى خريف عام 1920م ضد الفرنسيين لكنه لم يفز بانصار كثيرين الا بعد ثورة الدروز ثم اخلي سبيله بعد عام من ذلك .

مقالات ذات صلة

الوائليون في رحلة فتح الله الصايغ‏

فريق التحرير

الوائليون في رحلة جوارماني من القُدْس إلى القَصِيْم

فريق التحرير

عنزة الوائلية في رحلات بوركهارت

فريق التحرير

حذف التعليق